مسرحية “صباح ومسا”، تناص مع النص أم كتابة ركحية مغايرة محمد سيف/باريس

مسرحية “صباح ومسا”، تناص مع النص أم كتابة ركحية مغايرة

 محمد سيف/باريس

النص بالنسبة لعبد الجبار خمران، هو مادة للتحول، مادة للخلط بين الموسيقى، الرقص، الفن التشكيلي والكلمات. منذ تأسسيه لفرقة دوز تمسرح، وهو يرفض أي شكل من أشكال الانفصال، والتسلسل الهرمي بين طرقه المختلفة في الاقتراب من المسرح وتناوله له.  تتوزع اهتماماته المتنوعة بين الكتابة وإعداد الكتب، وإقامة الورشات، والتمثيل، في مسرحية “الحريق” ومديرا فنيا للعمل، والمساعدة الإخراجية، في مسرحية “الخادمات” مع المخرج جواد الأسدي ومديرا فنيا للعمل أيضا، وفي مسرحية “صباح ومسا” مخرجا ومؤلفا للعرض وليس للنص. وهو العمل الأول له على رأس فرقته المسرحية ” دوز تمسرح”، الذي يعتمد مشروعه فيها بالدرجة الأساس على تحويل عالم النص وشخصياته من خلال الكتابة الركحية لإنتاج نص مصاحب أو محايث للنص الأصلي، إن صح التعبير، وزعزعت استقرار ثوابته البارزة لخلق جمال وحشي جديد. بلا شك، لقد انطلق عبد الجبار خمران، من نص المؤلف غنام غنام، كفكرة تمهيدية للتفكير بالعمل، نسج من خلالها قنوات قدمت للحجة النصية، وسلطت الضوء عليه بنوع من الأمانة وفقا لوجهات النظر التفسيرية، اللعبية، والجمالية المتناسقة. كان النص لعبد الجبار خمران بمثابة دليل لعمل الخشبة، الهدف منه إعادة وبلورة النتائج الدرامية، التي تدخل فيها بشدة في جميع مراحل إنتاجها، تمثيلا، سينوغرافيا، موسيقا، وكورغرافيا، مع الحفاظ بكل تأكيد-على استقلالية كل عنصر من عناصرها- بعين نقدية لكل أنشطته المسرحية، ساعيا إلى تطويرها وتحقيق أفضل وضع ممكن لها، أي أنه كان في مركز ثقل العمل المسرحي، يتنقل بين تحويل النص إلى تمثيله، وعرضه، في أوسع معنى لهذه الكلمة، دون ان ننسى شروط التلقي والتفسير الاجتماعي، لا سيما كلما تغيرت الشروط الاجتماعية والتاريخية للتلقي تغير المعنى.

في مقاربة عبد الجبار خمران المسرحية، وإن كانت مغايرة بشكل نسبي، لكونها اعتمدت على الرؤية الكورغرافيه التي ترجمت وحاكت كل ما هو غير مرئي فيه، من خلال كتابة نص العرض بأجساد الممثلين الراقصة، ومتاهة حركاتهم، وقفاتهم، وصرخاتهم المنطلقة في الهواء، وبعض التحركات والخطوط المنحنية التي لا تدع جزءا من الفضاء المسرحي دون استخدام، لاستخلاص معنى لغة جسمانية جديدة أساسها الإشارات لا الكلمات فقط، أي أن الجسد وظاهريته الحركية يولدان مستوى من المعنى، المادي والجسدي، الذي يتجاوز الخطاب.  فشخصية (هي) عندما تدخل الخشبة، أو في أول حضور لها يكون من خلال الرقص، وكذلك شخصية (هو)، وهذا ما يجعل الكتابة الدراماتورجية التي لجأ إليها المخرج تقوم بتحفيز الحدس الإبداعي غير الواعي لجسم الممثل، في كثير من الأحيان، ومساعدة مصمم الرقصات (توفيق ازديو) على الحدس الكوريغرافي وفق منطقه ورؤيته الخاصة للعمل. حتى لو أن مفهوم الدراماتورجيا كان مرتبطا في البدء، بالكتابة أو التأويل المسرحي للنص، إلا ان ممارستها تطور إلى حد كبير في وقتنا الحالي، وهذا ما يترجمه “عبد الجبار خمران” في عرضه كدراماتورج للركح، بمعناه الأوسع، من خلال مساعدته للممثلين للتمكن من إيجاد وتطوير “لغتهم” وتوضيحها بشكل أفضل؛ وهذا، أولا وقبل كل شيء، عمل المخرج المعاصر، طالما أنه يعمل على تشجيع الفنانين على تحديد أهداف عملهم بشكل أكثر وضوحا، وهذا أيضا ما يحفز بحد ذاته، إلى لغة الحوار والتبادل في وجهات النظر بين فريق العمل. ففي عرض “صباح ومسا”، هناك “ترجمة” متعددة التخصصات للنص، إن صح التعبير، ترجمة إلى لغة وثقافة وفنون أخرى مختلفة، تولى الفنانون أدائها وتأويلها. وبتتبعنا لأفكار و”التر بنجامين” و”جاك دريدا”، تصبح وظيفة الترجمة أو مهمة المترجم ليس من الضروري ان تكون مخلصة للمصدر الأصلي إلى حد كبير، وذلك لإدخالها لغة وعناصر جديدة غير معروفة بالنسبة للنص، وبهذه الطريقة تقوم بتجديده. ومع ذلك، لمسنا من خلال قراءتنا لنص المؤلف ومشاهدتنا للعرض، ان هناك نوعا من الوفاء لنص المؤلف، وللمؤلف نفسه، من خلال كتابته السيمائية والإيقاعية واللفظية وغير اللفظية في تنفيذ العرض. فالمخرج كان يستمع بشكل أو بآخر إلى “كلام” النص: في تغيراته، وزلاته، وفجواته، من أجل قيادة “قوته” والكشف في نهاية المطاف، عن محتواه، وإبراز دلالاته، غير المباشرة، واللعب الممكن على ومع اللغة، في المنظور الذي هو، في أفضل الأحوال، يكون قادرا على حماية معانيه المتعددة ومكوناته. وتكمن إحدى المهمات الرئيسية للمخرج الدراماتورج، في مصاحبته لمُصمِّم الرقصات أو أي فنان آخر، في مساعدته على تحديد البنية الأساسية للأداء. ويكمن دوره أيضاً في تجسيد وجهة نظر أي متفرج مستقبلي، من خلال تذكير المصمم، الراقصين، الممثلين، وجميع أفراد فريق العمل، بأن أفعالهم لا يمكن أن يكون لها معنى إلا إذا تم تفسيرها للمشاهد وتم فهمها من قبله.

في هذا المشروع الشخصي الأول، يخترع “عبد الجبار خمران” نص الفنان “غنام غنام” انطلاقا من دراما معاشة تعيشها الشخصيات في حالات من الفقد، والضياء، والقهر، وفقدان صوتها الإنساني سواء فيما مضى من حياتها والحالية في عتمة مستقبل غامض.

الفضاء الذي أثثته سينوغرافيا (يوسف العرقوبي) كان مجردا، يقع على أطراف المدينة، وليس فيه سوى عمود كهربائي في أعلاه مصباح تستحم وتغتسل بضوئه كل شخصية من الشخصيات قبل دخولها الخشبة، ومصطبة في احدى زوايا المسرح، ومكان للعازف والمغني في بعض الأحيان، الذي يبدأ العرض بإصدار دقات نحاسية من احدى أدواته الموسيقية، تذكرنا بأجواء معبد بوذي، وتشير ضمنيا إلى منتصف الليل. وما أن يستقر العازف/المغني في أسفل يسار الخشبة، يقتحم عتمة المسرح صوت عبور سيارة مسرعة مثل البرق، ضوئها الحاد والمفاجئ يكشف عن المكان شبه الخالي الذي ينتظر ملئه، ثم يتبعها بوق شاحنة أخرى تضيء المكان بسرعة خاطفة. وهذا ما يضعنا أمام أحداث تجري في مكان خارجي. بعد أن يستقر الصمت المطبق بضع لحظات، نسمع في نهايته وقع كعب عالٍ لفتاة يسبق دخولها. عندئذ تبدأ اللعبة المسرحية.  

تدخل شخصية “هي” (رجاء خرماز)، تضع قدماها في مكان مظلم وبارد، لا يتردد ولا يرن فيه أي صوت! ولا ينبثق منه أي شيء تقريبا. تبدأ بلعب رقيق مع حقيبتها سرعان ما يتحول إلى رقص وحشي يعبر عن حالة توقها للحرية والإحباط الذي تشعر به، في آن واحد، من خلال التدرج الديناميكي المتصاعد، الذي يجب تمثيله بكل فوارقه الدقيقة. ففي المسرح نحاول دائما أن ندفع الحالات إلى ما هو أبعد من الواقع، وأن نخترع نوعا من التمثيل الذي يكاد أن يكون غير معروف في الحياة، لكي نلاحظ جميعا بأن المسرح يذهب بعيدا، وأنه يطيل الحياة بنقلها. يرافق ذلك تغير في الإضاءة وأنغام موسيقية في حالة تحضير، ثم تجلس على الأريكة معطية ظهرها للعالم. بعد لحظات قليلة، يدخل “هو” (توفيق ازديو) بحركات راقصة متوثبة فيها الكثير من التوجس والقلق الذي يكشف عنه من خلال التواءاته الجسدية وتبعثرها في الفضاء، لكي تترجم الألم، الارتباك، والخوف، في آن واحد، ناسجة علاقة جسدية بين الشخصيتين، منذ الوهلة الأولى للعرض. نلاحظ أن الإحباط هو المحرك الخيالي الذي يفكك كل شيء يقترب من هاتين الشخصيتين اللتين لا يشير إليهما أي اسم في البداية. هذه هي البداية التي ستصبح فيما بعد نهاية، لمخلوقين ظلا طريقهما في عالم غير عادل. المكان لا يتغير، وإنما تتحرك مفرداته وفقا للحالات المتدفقة للشخصيات، التي تلتقي هنا عن طريق الصدفة أو القدر. وعندما تشتبك مع بعضها البعض، تلجأ إلى الكذب كوسيلة للبوح والتعبير عن خوفها وترددها، ربما لكي يحميا نفسهما من الأخر، أو ربما ليخفيا حقيقتهما من خلال بوح واعترافات مليئة بالتلفيق المربك، الذي يؤدي شيئا فشيئا إلى حقائق مختلفة ومتضاربة في صحتها؛ حقائق مرتبطة بالواقع الحسي لتجربتهما المعاشة أو ربما المتخيلة، أو الاثنين معا. وبما ان الواقع متبدل، فإن الحقيقة متغيرة ومتبدلة هي أيضا، ويتوقف وجودها على غيرها لسبب من الأسباب. من خلال هذا الاصطدام الشائك للشخصيتين، نكتشف أحلامهما، تاريخهما، وأوجاعهما. فالشخصيات تحلم، تتخيل، وتكذب، وتجعل من خيالاتها وأحلامها وكذبها حقائق سرعان ما تتغير من مشهد لآخر، بل يصل بهما الكذب إلى درجة ان يكذبا معا، وواحدهما يكمل كذب الأخر، لكي يتخلصا من صرامة القانون والتقاليد الاجتماعية المكبلة، وفعل جناية الحب في نظرها، وذلك في المشهد الذي يجدهما الحارس الليلي للمكان، متلبسان بفعل غواية الحب. وبعد سؤال وجواب يقولان له بانهما متزوجان وإن اسمهمها صباح ومسا، وقد جاءا إلى هنا للاحتفال بأول يوم التقيا فيه في هذا المكان. هذا بالإضافة إلى أكذيب أخرى كثير: فـ”هو” مثلا، يتغير اسمه من أمين إلى إسماعيل، و”هي” تحكي مرة لتقول إن أمها بائعة متجولة وأبوها شرطي طرد من مهنته لإدمانه على الكحول ومرة تقول ان أباها ليس بشرطي وإنما عسكري استشهد في خدمة الوطن. “هو” يحتضن أربعة دمى (من تصميم محسن بنحدو) تكاد لا تفارقه، يتعامل معهن وكأنهن زوجات له، ربما لشعوره بالوحدة وعدم تواصله مع الأخرين، ولهذا يلجأ للكذب واختلاق القصص وحتى الوهم، لا سيما أنه قد هجر غرفته التي أحس أنها تشبه القبر، وقد التجأ إلى هذا المكان الهامشي خوفا من ان تضبطه صديقته مع امرأة أخرى، وإلى أخره من الأكاذيب والتلفيقات التي تكشف عن براعة المؤلف الذي يميل إلى الإمساك بالحقيقة من خلال عصاه الخاصة به، ليعطي لكائناته الهامشية شكلا من أشكال التعبير المأساوي الذي لا يستبعد الكوميديا. وهذا ما عززه المخرج بنوع من الحرفية من خلال تحولات الإيقاع اللغوي، والحركي والسينوغرافيا، واللعب مع مفردات الديكور، وكذلك، الموسيقى التي كانت حاضرة على المسرح مثل قائد لأوركسترا العرض بكليته. بالإضافة إلى عنصر التمسرح الذي كان حاضرا هو أيضا منذ بدأ العرض حتى نهايته، من خلال اللوحات الكورغرافية، ومن خلال إشعارنا بأننا داخل نوع من المسرحة التي تتغير فيها الأدوار والأضواء، وعلينا تقبلها لأننا مشاركين غير مباشرين بلعبتها، فـ”هو” يمثل، على سبيل المثال وليس الحصر، دور أبيها عندما يزجرها ويؤنبها على تأخيرها الليلي؛ اللعب مع الدمى وتحريكها ومحاكاتها من قبل الاثنين، بطريقة مسرحية واضحة؛ حضور العازف وتعليقاته الغنائية واشتراكه في اللعب، في أدائه مرة لدور الأب وأخرى لدور الحارس الليلي للمكان الذي هما فيه، وإلخ. فالمخرج لم يبن عرضه بشكل تقليدي ولم يقدم قصة حب عادية، تغرق المتفرج بنوع من الوجد والعاطفة الجياشة، وإنما قدم حكاية شائكة ومختلفة لا تجري أحداثها بشكل خطي متسلسل، وتحيل بكل تفاصيلها إلى التمسرح أكثر مما تحيل إلى المغنطسة الفرجوية، ربما للتقرب مرة أكثر من الحياة الواقعية للحدث وأخرى في الابتعاد عنه، من خلال الجسد الراقص الذي يهتز من مخاوف هذا العالم الذي لا يرحم.

إن قصة العمل، تتناول موضوع الحياة والموت. فشخصية (هي) تبحث عن الحياة ولكن بلا جدوى، وشخصية (هو) ينشد الموت، من خلال رغبته في الانتحار، وهذا ما يتحقق في نهاية المسرحية، عندما يلقي نفسه بالنهر. بعد سماعهما صوت منبه الإنذار لسيارة الإسعاف أو الشرطة. حيث ينتابهما نوع من الهستيريا التي تكشف الغطاء عن قصصهما الحقيقية. (هو) يعتقد ان سيارة الإسعاف جاءت لتعيده إلى مستشفى المجانين الذي هرب منه، وهي تظن أن الشرطة جاءت تبحث عنها لتعيدها إلى السجن بسبب اتهامها بقتل زوجها بدفعه إياه من نافذة الطابق الخامس للعمارة، ولكنها في حقيقة الأمر لم تفعل وإن كانت تتمنى ذلك.

إن التعديلات التي أجراها المخرج والإضافات التي تمثلت بفن الكوريغرافيا الذي كان له حضور أساسي، أعطت العرض نوعا من الديناميكية السحرية من خلال حضور الراقص والمصمم (توفيق ازديو) كممثل وراقص في آن واحد، قد أنتج مسرحية جديدة، وخلق نصا من نص، إن جاز القول، لم يؤثر سلبا على النص الأصلي، أو يقوم بمصادرته، وإنما على العكس، ألقى الضوء من خلال تتبع مساره، على تمفصلاته الرئيسية. وخاصة في مشاكل الاتصال في معاني الكلمات والحالات التي تختلف من شخصية لأخرى، والحاجة إلى لعب دور لأجل الاقتراب من الأنا المثالية، وإظهارها بالشكل الذي تريده الشخصية من أجل إخفاء بعض عيوبها وانتكاساتها.

لقد استعار المؤلف غنام غنام عنوان أغنية فيروز صباح ومسا، لكي يمنح شخصياته أسماءا دلالية أكثر مما هي أسماء حياتية مألوفة، ولكي يشير إلى الصباح والمساء اللذان لا يمكن نسيانهما لأنهما موجودان في كل يوم تبزغ فيه الشمس، مثل الحب، الذي بدونه لا يمكن للحياة أن تسمر (صباح ومسا شي ما بينتسى، تركت الحب وأخذت الأسى، لعل وعسى إترك هالأسى، ويرجع لي حبي صباح ومسا)، وإلى الأسى أيضا، الذي رافق الاثنين معا في كل مسارات حياتهما. وهذا ما جعل المخرج يستخدم مقاطع من الأغنية الأصلية ليس كمؤثر موسيقى تصويرية وإنما كغناء حي مختلف قام بأدائه (زكريا حدوشي)، في الوقت الذي يرقص عليه الأثنان رقصة الفالس. بحيث خلق المخرج من جسد الممثلين، هنا وفي مواضع أخرى من العرض، (جسد متكلم أو حاكٍ) بـ”موجب مايرهولد”، يتكلم ببلاغة وارتياح ويتحرر ويقاوم جميع التصرفات والقوالب السلوكية التي يفرضها المجتمع على كل رجل وامرأة. و(الجسد القابل للتمدد والاتساع، مثلما يقول “أوجين باربا” هو جسد في حالة تمثيل) [1]، يشارك كعلامة مبدعة، في نسخ العالم الخيالي على الخشبة وهو عنصر أساس في المحاكاة.  

تكمن القوة التفسيرية لكل من (رجاء خرماز وتوفيق ازديو)، في المقام الأول في واحدة من صفاتهما الجوهرية: أصالتهما. وكأن هذين الدوران قد تم إنشاؤهما لهما. علما ان “توفيق ازديو” ليس بممثل وإنما راقص ومصمم رقص محترف، ولكنه في هذا العرض أصبح ممثلا مقتدرا، استطاع أن يؤدي دوره كما لو انه قد درس التمثيل وليس الرقص. ويعود الفضل في ذلك إلى المخرج عبد الجبار خمران، الذي أراد ان يتجاوز المألوف ويذهب بالمسرح نحو المغامرة المسرحية للمسرح نفسه، والأمر ينطبق أيضا على “رجاء خرماز”، التي لم تدرس الرقص وإنما التمثيل، ومع ذلك كانت تؤدي بجسد راقص لا يمكن رؤيته دون اندهاش ومفاجئة. فبالإضافة إلى تفرد نهجهما بالأداء، كانت هناك رغبة مشتركة لتجديد أنفسهما؛ لإيجاد المزيد من الحرية في صرامة لغة الرقص والأداء الخاص بهما؛ لاكتشاف المزيد من النماذج الجمعية وطرق الخلق حيث يصبح المؤدون مشاركين حقيقيين في عالم الرقص، وأفعاله الملموسة، دون أن يفقدا براعة الجسم الراقص. لقد كانا متعلقان بشخصياتهما كما لو انهما كانا هما نفسهما المعنيان بالقصة، ينتقلان من أداء لآخر بمرونة حميمية، وفي سياقات زمكانية مختلفة ومتنوعة، وسط ديكور استعاري مثالي صممه (يوسف العرقوبي)، وأنعشه “زكريا حدوشي” بعزفه الموسيقي وغنائه، ومحاكاته لعالم يصعب العثور على الحب فيه.

المسرح هو فن المفارقات التي تلعب على جدلية الأضداد بين النص والتمثيل والرقة والمتانة في العمل الفني. بهذا المعنى، تمثل الكتابة المسرحية مساحة يجب ملؤها: فالنص موجه لأن يأخذ الحياة أو يصبح لحما حيا من خلال صوت الممثلين واللعب. أما بالنسبة للشخصيات، وبعيدًا عن إدانتها لبقائها ككائنات ورقية، يُطلب منها التجسد على خشبة المسرح. بحيث يصبح جسد الممثل (“الجسد الموجِّه”، الذي يرغب فيه المشاهد، ويستوهمه، ويماثله مع ذاته. وإن كل تمثيل بالرموز والسيميائية يصطدم بالحضور الجسدي للممثل وصوته وصعوبة ترميزه)[2].

 

[1]– Le Corps en jeu, sous la direction d’O. Aslan, Paris, Editions du CNRS, réimpression, 1996.

[2]Patrice Pavis P. 2002, Dictionnaire du théâtre, Paris, Armand Colin, p.71.

ألمقالات ذات الصلة

Leave a Comment