( حكايات الرمل ) موندراما بيروتي مار تشعل فضاء المسرح والمخيلة / بقلم : يوسف الحمدان

( حكايات الرمل ) موندراما

بيروتي مار

تشعل فضاء المسرح والمخيلة / بقلم : يوسف الحمدان

يوسف الحمدان / Yousif Alhamdan
يوسف الحمدان

 

هو الممثل حيث تنبعث الروح في كل أرجاء المكان والزمان ، دون لزوم أو وجوب لحركة ثرثارة تستبيح فضاء العرض كله ، أو كلام لا يقرأ علاقته ووجوده وضرورته في هذا الفضاء ، هو الممثل حيث تتجلى إمكاناته الأدائية وفق رؤية فلسفية عميقة تدرك مسارات تحولاتها وانعطافاتها في فضاء العرض ومدى قدرتها على مشاكسة راهنها وعصرها .
ويكون هذا الممثل فريدا واستثنائيا في أدائه ، حين يكون في مواجهة نص يلتبس فيه وجود الإنسان في هذا الكون ، وترتبك فيه درجات التنامي التي غالبا ما تؤول إلى نهايات متوقعة كما في كثير من النصوص التي رسمت نتائجية أحداثها منذ السطر الأول لاستهلاليتها ، ونموذجنا فيما نذهب إليه ، نصوص الكاتب الإيرلندي وفيلسوف العبث في المسرح العالمي صموئيل بيكيت الذي تعتبر نصوصه مختبر فلاسفة المسرح في العالم وورطتهم التحليلية والتأويلية ، إذ لا يمكن أن يقتحم مخرج أو ممثل عالمه ، دون أن يكون معضدا برؤية استكشافية خبرت وقرأت هذا العالم الذي غير مسارات المتوازن والمتوقع في كونه ، وخاصة إبان وبعد الحرب العالمية الثانية التي انهارت فيها كل القيم وتشظت في جزيئات نووية يصعب المسك بأجهزة وإمكانات وأدوات وسبل ترقيعها .
ومن بين هذه النصوص ( البيكيتية ) ، نص ( آه للأيام السعيدة ) ، الذي تصدت له المخرجة الممثلة الليتوانية العالمية ( بيروتي مار ) ، تحت عنوان ( حكايات الرمل ) ، وقدمته في ختام مهرجان الكويت الدولي للمونودراما ، على خشبة مسرح كيفان ، وكما عودتنا بيروتي مار ، أنها لا تتصدى إلا لنصوص فلسفية إشكالية ، مثل نص ( أنتيجون ) وهذا النص ( حكايات الرمل ) ، اللذين جابت بهما العالم لما يربو على العقدين من الزمن ، وكما لو أنها ترتحل بعروض مسرحية تتجاوز القرون والأزمان ، ومن غير بيكيت من الكتاب يكون مرشحا لمثل هذا التجاوز ؟
في هذا العرض ، تختزل بيروتي مار كل الأحداث في شخصية ( ويني ) ، وهي الشخصية التي قامت بأدائها ، إذ أن المسرحية في الأصل تحتوي شخصيتين ، وهما ( ويني ) الزوجة ، و( ويلي ) الزوج ، وهما شخصيتان ثابتتان في مكان واحد حتى آخر لحظة مبهمة من حياتهما ، إلا أن المحور الحي المشاهد الذي اتكأت عليه ( مار ) في عرضها ، يتكثف في وجود الزوجة ( ويني ) المدفونة في الأرض حتى أواسط صدرها في مكان كما يبدو تغمره الشمس التي تبدو عمودية لا تتجاوز حدود موقع ثباتها ، وذلك ما تشي به الإضاءة التي لم تغادر حيز هذا الثبات ، هذا الحيز الذي تمارس ( ويني ) من خلاله واجباتها اليومية وطقوسها التي تبدو في تكرارها أشبه بروتين الزمن القهري الذي تحاول من خلاله ( ويني ) قضاء وقتها علها تجد فيه ولو فسحة لأمل قادم يخرجها من معاناتها اليومية ومن ذكرياتها الأليمة والسعيدة وعلاقاتها المبهمة الغريبة مع زوجها ( ويلي ) الذي يبدو في العرض كما لو أنه شخصية مفترضة تحتفي ( ويني ) بغيابها كلما ضيق الروتين والضجر خناقهما على أنفاسها ، مستعيضة في بعض الأحيان بتخيل أحداث تود أن تعيشها أو لم تعشها أصلا عندما تشتبك وتتداخل محن الواقع في حياتها الماضية والراهنة ، ولا تملك في سياق هذه الملتبسات الوجودية على ذاتها وحياتها سوى ضحكة واحدة وامضة طافرة تبدو كأقصى ما يمكن أن نتخيله في السخرية على هذا الواقع ، أو أقرب ما يمكن أن نحدسه في تغطية هذا الواقع بأمل يخفف على نفسها ثقل وطأة هذا الحزن المنسرب في حياتها اليومية حتى أعماق أعماق ما تبقى حيز مظلم في الحفرة التي أوشكت أن تبتلع وجودها تماما ، حيث لا أحد لحظتها بإمكانه أن يسعفك من جحيمك ، لا مخيلتك ولا ما كنت تخترعه من كلمات من أجل إرجاء مدة الزمن المتبقي من حياتك كلها ، « إن الكلمات تتخلى عنك… هناك لحظات تجد فيها أن الكلمات تتخلى عنك» ، وهذا ما أفصحت عنه ( ويني ) في لحظة أوشكت أن ترى العالم فيه مجرد كلمات يمكن أن تتخلى عنك في لحظة ما ، وتتقاطع مثل هذه الكلمات مع هذه العبارة الجارحة العنيفة التي وردت في مسرحية بيكيت ، ( رؤوس ميتة ) : لا… أنا لست آسفاً على شيء. كل ما آسف عليه هو أنني ولدت يوماً… أواه كم أن الموت لا يزال بعيداً!» .
وهنا نكون في أقصى حالات المفارقة الغروتسكية القاسية المُرّة ، التي تبدت في نقائض ( أيام سعيدة ) و( حكايات الرمل ) التي اختارتها بيروتي مارت لتكون عنوانا موازيا في مفارقاته من العنوان الأصلي لبيكيت ، وليكون في جوهر الحالة الوجودية لـ ( ويني ) التي توشت بالرمل حتى أواسط صدرها ، وليصبح هذا الرمل حكاياتها التي تذهب مع الريح في كل بارقة أمل مفترضة أو متخيلة أو مخترعة .

بيروتي مار
بيروتي مار

في هذا العرض تختزل ( بيروتي مار ) أحداث المسرحية الأصلية لنص بيكيت ، في شخص ( ويني ) ، لتعمق الحالة العبثية لهذا الوجود ، جاعلة من زوجها ( ويلي ) حالة عابرة من الذاكرة الساطية في دواخلها التي تراها وتعيشها وتحسها أحيانا ، وأحيانا تأتي في حيز المتخيل وجوده معها بالرغم من غيابه عنها ، وهذا ما يميز نصوص بيكيت التي تتملك قابلية التأويل ، لأنه يكتبها في حيز يبدو المكان فيه والزمان غير محددين أو معينين أو ملموسين ، كشخصياته التي أيضا تبدو أحيانا غير موجودة بالرغم من ظهورها المادي ، وغير محددة الملامح بالرغم من اثر أفعالها على الأحداث بصورة عامة ، وهذا المقترح التأويلي لنص ( بيروتي ) يأخذنا ويزج بنا في قراءة أخرى جديدة لنص بيكيت الأصلي ، خاصة ما إذا وقفنا على عنوانها ( حكايات الرمل ) ، والذي اختزلتها بيروتي في فستان رملي هائل الحجم ، يغوص جسدها الرفيع حتى أعلى الصدر في هوة كومته العلوية ، هذا الفستان الذي يحتوي كل يوميات وذكريات ( ويني ) عبر حقيبة واكسسوارات أخرى تتناثر في جنباته ، وتبدو وكما لو أنها من مشتقات هذا الرمل ، حتى يبدو هذا الفستان هو سينوغرافيا ومعمار العرض كله ، وهو في الآن نفسه ( ويني ) بذكرياتها وأحلامها وخيالاتها المبعثرة ، كما أنه بثباتها وتطاير ذرات الرمل منه اشبه ببيت خرب مهجور قديم تعيش بين بقايا حطامه ( ويني ) ، تلك التي تبدو أنها قد قدر لها أن تقضي بقية عمرها في حفرة متوجة بالرمل ، خلفتها ألغام أرضية هي نتاج حروب متواصلة وممتدة ، لتصبح هي وهذا البيت المهجور صنوان لأزمنة غير محددة الهوية والملامح .
إنه التشييء في أقصى حالات إلغائه للوجود الإنساني ، وهو الذي تمكنت ( بيروتي ) برؤيتها الثاقبة ومخيلتها النافرة الجامحة ، من تجسده عبر تماهيها مع هذا المعمار الرملي المهتريء الهش ( فستان الرمل ) ، الذي تتشكل كل حياة ( ويني ) من خلاله ومن خلال ذراته المتطايرة بين حين وآخر ، ومن خلال وجهها وشعر رأسها المغمورين بالرمل ، وكما لو أن هذا الرمل يبدو مستحيلا مغادرته لهما ، أو كما لو أنه ثقيلا جدا إلى درجة يصعب معها التحرر أو التخلص منه .
من هذا الرمل تتشكل الحكايات وتتلاشى كما الرمل لتعود ثانية لتشيء كل شيء في جسد ( ويني ) المثقل بهموم وذكريات هذه الحكايات ، ولتتماهى معها اللغة التي تتحدث وتنطق بها ( ويني ) ، لتصبح مشيئة كما الرمل والحكايات ، فـ ( بيروتي ) لم تذهب في عرضها إلى اللغة الانفعالية المتنامية ، تصاعدا أو هبوطا ، إنما جاءت هذه اللغة هادئة أفقية متقطعة متناثرة كما ذرات الرمل بين موقف وآخر ، حتى في مخاطبتها للزوج الغائب ( ويلي ) ، تأتي هذه اللغة وكما لو أنه غير موجود أو يستدعي منها سبلا انفعالية لمخاطبته ، كل شيء يبدو في هذا العرض مشيئا ، كما النملة التي تعبر تجاعيد فستانها براحة واطمئنان ، وكما دخان الحريق الذي يتسلل من أسفلها حتى أعلى أعلاها وكما لو أنه لم يحدث اللحظة ذاتها ، إن لم يعبر ذاكرتها المرهقة بأحداث بات كل شيء دونها عابر وطاريء وتافه وغير مهم .
ويا لعمق المفارقة التي تؤسس ( بيروتي ) على ضوئها رؤيتها الفلسفية للعرض ، حين جعلت من هذا الفستان المنسوج بحرير الرمل المتهالك ، أشبه بفستان الفرح ، لتعمق بذلك حلم أن يكون هذا البيت الخرب المهجور أشبه بفستان للفرح مهما تداعت أعمدته وأركانه ، فلعل للأيام البائسة العابثة بعض سعادة وإن نسجت بخيوط العنكبوت الرملية الهشة العتيقة ، ولعل أبلغ دلالة فيما أذهب إليه ، هو تحويلها بإتقان لهذا الجسد الرملي المثقل بأحداث وذكريات وتخيلات ، إلى عروس ( الماريونيت ) التي تتحرك برشاقة على نغمات موسيقية هادئة والتي تنتمي لذاكرة بعيدة هي أقرب إلى أحلام المراهقات الستينيات ، وهنا تضعنا ( بيروتي ) في وجود الإنسان الملتبس في هذا الكون حسب ( بيكيت ) ، حيث اللحظة إبنة نقائضها .
وهذه التفاصيل الدقيقة الميكروفيزيائية ( الفوكوية ) التي تبدو كاللحظة الهاربة لدى الفيلسوف الفرنسي ( دولوز ) والتي اشتغلت ( بيروتي ) على تجسيدها واستحضارها في عرضها المونودرامي هذا ، تتبدى في كسرها المباغت للتوقع ، حيث يصبح الأداء الواقعي غير واقعي في الوقت ذاته ، أو حيث تصبح الومضة الطافرة من الجسد وإيماءاته كابحة لفعل أدائي واقعي ممكن أن يحدث لولاها ، ولعلنا نلحظ ونتبين ذلك في اشتغالات الإيماءات اليدوية في شعر الرأس ونفضها للأغبرة منه ، ومؤازرة هذه الاشتغالات بأدائها الصوتي المتقطع خاصة لحظة الاستذكار ، بجانب محاورتها المباغتة لفضاء يبدو متحققا والانصراف عنه بغتة وكما لو أنه لم يوجد أصلا ، أو استخدامها لإيماءة لا مبالية لحظة حدوث الحريق أو استشعار حرب تقع على الرأس مباشرة من خلال أزيز طائرات حربية ، كل هذا يحدث والممثلة ( بيروتي ) تؤدي دورها في مكان ثابت وكما لو أنها تملك بقدرتها الأدائية هذه كل حيز هذا الفضاء الواسع للعرض ، إنها قدرة غير عادية على اختزال كل أزمنة وأمكنة وأحداث العرض المتخيلة والوهمية في هذا الجسد الفرد ، مزيحة ( بيروتي ) بهذه القدرة الأدائية الهائلة فكرة المنبرية الصارخة الفجة التي يتبناها كثير من الممثلين وخاصة في مسرحنا العربي ، أو التي يرفضها البعض ظنا منه بأن الحركة خير معين لإقناع المتلقي بأن ما يقدم أمامه عرضا مسرحيا ، تماشيا مع مقولة ( في الحركة بركة ) ، متناسين المخزون الهائل الذي يمكن لهذا الجسد أن يشغله في فضاء العرض وفي أرواحنا وعقولنا ومخيلتنا دون تحريكه عنوة أو قسوة ، فالعبرة ليست في الحركة ، إنما في كيفية إيجاد أبلغ ما فيها وإن كان الجسد في موقع الثبات ، وهكذا فلسفت ( بيروتي ) رؤيتها لهذا الجسد ودعتنا لأن نرى من خلاله أجسادا وأرواحا وأحداثا وأوهاما وتخيلات ، وأن نتأملها في ظل الانتظار وتعاقب الأزمنة وهذا هو الأهم وهو التحدي الحقيقي لأي ممثل ممكن أن يشعل جسده بروح جديدة في موقع واحد ثابت متحرك ومؤثر بلاغيا ودلاليا وفلسفيا .
مثل هذه التجربة الإنسانية ( البيكيتية ) ، تستحق من ( بيروتي ) لأن تقدمها على مدى قرنين من الزمان ويربو ، لأنها تشغل في كل مرة حيز لاكتشاف رؤيوي جديد ، والمسرح كما نعلم وتعلمون ، فرادته وتميزه ليست بالكم الهائل من العروض التي تقدم من خلاله ، إنما بنوعية العروض ورؤيتها الفلسفية والفنية العميقة وقدرتها على التأثير فكرا وفنا ، وعلى البقاء حية في ذاكرتنا وكما لو أنها تتجدد في كل مرة مهما تقادمت بها الأزمان .
لذا أرى هذا العرض اليوم وكما لو أن روحي ورؤيتي تتجددان معه بعد أن شاهدته قبل عقد ونصف من الزمان ضمن عروض مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما ، فشكرا وافرا ( بيروتي مار ) ومحبة بلا حدود ..

القراءة في الأصل من موقع الفايسبوك الخاص بيوسف حمدان

https://www.facebook.com/yousif.alhamdan.9/posts/2027706284004639

ألمقالات ذات الصلة

Leave a Comment