نومانس لاند، لمحمد قاوتي، وتجريد الإنسان من إنسانيته / محمد سيف/باريس

نومانس لاند، لمحمد قاوتي، وتجريد الإنسان من إنسانيته /  محمد سيف/باريس

من أجل إحداث صدمة على القارئ والمشاهد، وقيادته نحو التيه النفسي، الاجتماعي، والسياسي، يلجأ (محمد قاوتي) في هذا النص، إلى الشعر واستعاراته، وإلى اللغة الصوفية ليس كوسيلة تداولية الغرض منها تعميم المعنى والكشف عن لا مرئيته وإنما لإخفائه وتستره، وعدم تعميمه. بحيث تصبح اللغة المتداولة فيه بمثابة كيان، وفضاء يذهب نحو اللامدرك واللامنتهي واللامحدود، والعصي على الاستيعاب الجمعي العام. فالخطاب التيه الصوفي هنا، معرفة وتعبيرا، لقدر تأويلي دينامي ومعاصر يستكشف ويكشف من خلاله الكاتب مسالك مغايرة للمعنى المقصود والمفترض، لتظليل القارئ وأبعاده قدر ما يمكن عن الفهم الخالي من العمق، وحثه ن في ذات الوقت، على التوغل في غياهب المعنى ودلالته، والمتن النصي الذي لا يظل بالضرورة سجين السياقات البدئية لتشكله أو تشكل مقصدياته المحايثة، وإنما يستمر في تماهيه، بوحه، تصويره، ومعالجتة، إلى ما هو اكثر من المأساة نفسها. وهذا ما يتجسد في غموض لغة شخصية (سين المزدوج)، بالدرجة الأساس، التي تبدأ النص بالتضرع للسماء، وتقديم القربان، مثل متصوف كلما يلهج باسم الله يشعر بابتعاده عنه، وعدم إمكانيته على الاقتراب الروحي المطلق، ومواصلة مراحل رحلته العرفانية، فيظل يلهج، ويلهج، ويلهج في ابتهالاته: ” (…) أطأطئ رأسي على أعتابك، أهديك آخر وليد في قطيعي عَلَّ أعتابك ترضى وتفسح لي الخمائل التي تحجب عني سنا الفلوات السرمدية كما حجبت عن أبوي، عَلَّ رداء الخطيئة، إرثي، يرفع عني وتعدوا سيقاني تسابح الريح). وهذا في حد ذاته، مخيف وغير محتمل، وممهد في ذات الوقت، لزرع بذرة التشويق في العمل، ربما لأنه يعتبر ممارسة قصدية لتيه لا ينشد من وراءه المؤلف الوضوح المرئي والملموس، فيلجأ تارة إلى اللغة المسرنمة، إن صح التعبير، من خلال طرقه أبواب حالة الخيال العفوي الذي تتحرر فيه الروح من قيود الجسد لانشغالها بالكشف عن مشاعر وأحاسيس مضببه تنقشع غيومها ببطء وتؤده خلال أربع لوحات، أطلق على كل واحدة منها بالهزيع. “وما جعل الله النوم في العالم الحيواني إلا لمشاهدة حضرة الخيال في النوم فيعلم أن ثم عالما آخر يشبه العالم الحسي” (محي الدين بن عربي)، وتارة ثانية، إلى طريقة دائرية في الكتاب تتابع فيها الحالات، وتتكرر فيها الكلمات، في تعالق مع عوالم غامضة، مسكونة بالإحالات والهواجس التي تطارد الشخصية البطلة؛ يبوح من خلالها بهذيانات هذا الأخير الذي لم يعد يعرف إن كان في حلم أم يقظة، أو يعيش واقع أو خيال، كاشفا خلالها عن عملية تجريد الإنسان من إنسانيته، في اضطرابات جحيميه، لا سيما نحن في زنزانة جماعية، وفضاء ركحي استعاري، تتحول فيه الشخصيات، وتلقي في ظلالها علينا، وفقا لحالات تمسرحيه معاصرة، مرة من خلال مجموعة من سجناء تتجسس، وأخرى من خلال جوقة مقنعة تمثل بشكل استعاري السلطة وأساليب تعذيبها المتنوعة، في طقوس وإشارات صوفية، تصور لنا، ما كان يحدث ذات يوم، في سجون ما يسمى بفترة (سنوات الرصاص). هذا هو الشرط الدراماتورجي، الذي يضعنا أمامه (محمد القوتي).

تتجلى المأساة، هنا في هذه الدراما، على إنها إعادة ابديه، لدوامه من الهذيانات، التي تتحول فيها الشخصيات في دوائر واهتزازات جسدية صوفية مكثفة، لكي تصور حالة الرعب وتطور الوضع المأساوي من جراء حبسها. لكي نلاحظ بالتالي، أيضا، أن الشخصيات لا تحبس نفسها فقط في مواقفها الأخلاقية والاجتماعية وإلى آخره..، وإنما في مختلف الأشكال الملموسة وغير الملموسة للفضاء، وبنائه، وما يسكنه ويخترقه، وهذا ما يعزز طبيعة الحبس نفسه. وهذا اليأس والشعور بفقدان الشخصيات للأمل ولإنسانيتهم، يعتري العديد من الشخصيات المعاصرة، لأن أصل المأساة اليومية والمعاصرة لا تجد دائما مخرجا لها. ويأخذ غياب النتيجة هذا أشكالا تجعل الديناميكية الجدلية للمأساة صعبه، والتي وفقا لـ (Peter Szondi)، تجمع بين وجهات النظر الفلسفية المختلفة المتعلقة بالمأساة[1]. وهذا هو السبب ربما من وراء بقاء الشخصيات محبوسة في عالم مغلق. وهذا ما نجده أيضا، في وجود الحبس كنموذج لمأساة نص (محمد قاوتي).

يضعنا النص، منذ الوهلة الأولى، أمام لغة اغترابيه تفصح عن التوتر الدائم بين الفهم وعجز توصيل المعنى. فالسجناء لا يفهمون ما تقوله شخصية (سين) التي انسلخت عن ومن شخصية (سين المزدوج)، التي هوت عليها ببلطه فقتلتها. ونتساءل بدورنا هل قتلت شخصية (سين) نفسها، أم حاولت القضاء على إلحاحها الداخلي المستمر، أم إنها فعلت ذلك “خيفة أن تُظهر سرا يهتز له العرش وما حواه”[2]. كل شيء يقود إلى الغموض والالتباس والتيه، حتى الاسم، لماذا (سين المزدوج)، الذي يتحول بعد فعل القتل، إلى مجرد (سين)، لماذا لم يعط (قاوتي) لشخصيته الرئيسية اسما واقعيا، لكي يدلنا على الطريق؟ ومع ذلك، نتواصل معها بنوع من اللهفة والتوق والعشق، مثلنا في ذلك، مثل نزلاء السجن الذين كانوا يودون معرفة دواخلها الغامضة، من خلال فعل التجسس.

ربما إعادة الأشياء إلى مكانها يعني العودة إلى نفسها دون مضاعفة للوصول إلينا ككائنات حقيقية، موجودة في اللعب المسرحي. وبهذا المعنى، يمكننا ان نسأل أنفسنا: الآن، هل يمكن للشخصيات ان تكون قرينة لنا أو العكس؟ وإن ضع الأشياء في مكانها يمكن أن يعني أيضا إنها تُظهر نفسها كشخصيات خيالية. لأن ما يحدث على المسرح ليس حقيقيا ولكنه في الوقت نفسه تمثيل للعالم الذي نعيش فيه وللعالم الذي نحن جزء منه.

احتمالات غير قارة، وإشكاليات تجرنا من الأنف للمواصلة. فنحن إزاء نص غير عادي، نحت بلغة تخفي الكثير من الأسرار والعبر، يتعذر الإحاطة بها بسهولة؛ لا يمنح نفسه للمعنى الواضح، مثل مناضل في حالة تحقيق بوليسي، لا يريد ان يفضح عن أسرره. وهنا أتذكر محاضرة لمحمد قاوتي، في مدينة مراكش، أثناء حديثه عن تجربته الكتابية، التي تحدث فيها عن سنوات الرصاص، وعن سنوات نضاله واجتماعاته السرية مع رفاقه، وكيفية الالتفاف على مثل هذا النوع من المواضيع في الكتابة، قال، بما معناه: كان علينا أن نحافظ على انفسنا، ان لا نكشف عن سر لقاءتنا، لأن الشارع والناس بحاجة لنا، يجب ألا نكون موضع شك، لأولئك الذي يتربصون للقبض علينا وزجنا في السجن، فنضيع فرصة العمل النضالي.

بهذه الطريقة، لجأ محمد قاوتي إلى موضوع السجن والتعذيب الذي يعانى منهما الكثير من الأفراد، في الحقب السوداء التي تمر على البشر، وجعل منهما من وجهة النظر الجمالية والدرامية ثيمة مسرحية لنصه، يمكن أن تقع أحداثه، في بلد مثل المغرب أو أي بلد أخر. فهو يتحدث عن المجتمعات التي تحكم على ناسها بالعيش مصيرا لا مفر منه ولا يمكن الخروج منه بسهولة.

يقول الكاتب المغربي محمد بهجاجي في قراءته لمسرحية “نومانس لاند”:( إن غنى هذا النص وطابعه الحواري مع المرجعيات واللغات، وكثافته الدلالية، تجعله متجذرا في الواقع ومقيما في نفس الوقت بحرية، في كل نقاط التماس بين تلك المرجعيات واللغات.. كما أنه يظل واحدا من النصوص المغربية المدرجة ضمن أدب السجون أو الاعتقال السياسي، لكنها تختار أن تتقدم نحونا بلا انفعال زائد، بل بالخطو الهادئ الذي يضعنا في الطريق الصائب نحو مراقي الجمال).[3] نعم يتقدم نحونا بلا انفعال زائد، وإنما بتأمل صوفي وفيض شعري يلتقي فيه الرمز الصوفي بفكرة الغموض، ليصبحا تسترا على الإلهام والإشارات الإيمائية والرقص وإيقاعات الطبول الشعائرية، ذات الدلالات الروحية، وخاصة في المشهد الذي يقول فيه سين (سين): (رأيت كل الوحوش والدواب، كل الزواحف وطيور البحر، كل السواد رأيته يغلفها بغتة، وتصعد ترنيمة الغابة، تصعد …) “، وهنا ينبعث العزف الموسيقي الطقوسي المميز لنوبة مَّوالِين الغابة الكناويَّة، “نغم خافت ينبعث من آلة الهجهوج “، الذي يتسامى في مشهد نزول الطبل من السماء بشكل تدريجي من سماء مجال التمثيل، وقيام الجوقتين:” جوقة الوجوه والأقنعة، بالقرع على الطبل، وكأنها تقوم بجلد (سين) الذي راح يتلوى من جراء النقر عليه، فيقوم (سين) برقصة الفراشة التي تهرب من التصاقها بالضوء الذي يتشكل من أجساد (جوقة الوجوه) التي تتجسس عليه، خشية الاحتراق، ولكن هناك قوة خفية تدفعه، تجذبه نحو وإلى المصباح:  (…) وأنا الفرشة إن ابتليت بنوره اندثرت (…) ها! ها! ها! أنا أدخل ملكوته كسرا! شدوا أزري! آه منكم ومنه، أيتها النار، تعمدين روحي المكلومة بمداسات الحداد ولكم الخوف وطقطقة اليأس المعن! …). تمدنا هذه المشاهد ولغتها الشعائرية الغامضة بمؤشرات إضافية عن العالم المثالي الصوفي الذي نسجه المؤلف حول شخصية (سين)، وكيفية تواصلها مع كل ما هو علوي، من خلال الفرائض، البوح، العزف أو الرقص، ومثلما يقول جلال الدين الرومي: ” هناك طرق عديدة تؤدي إلى الله، وقد اخترت طريق الرقص)[4]. وان حوم الفراشة فوق شعلة شمعة، في الرقص الصوفي، هي وصول لحالة “الفناء” الغرض منها الدخول في بعدا روحي أسمى.

 وكل هذا يحدث في الهزيع الأول من الليل لكي يستمر حتى الهزيع الرابع من النص، وبما ان هذه الأقسام تعود إلى الليل، مثلما يقول القس (بول ربان)، فذاك يعني بان الليل كان مقسما، أمنيا، إلى أربعة أجزاء، يتبادل فيها الحراسة جنودا أو أشخاص محددين، يسهرون على أمن أشخاص أو مؤسسات لا سيما في قطعات الجيش[5]. ولهذا السبب في اعتقادنا اشتمل النص على جوقتين، تتحرك وتتحول من خلالها، وكل ما يحدث فيه من أحداث في العتمة والظلام دون دراية العامة من الناس، لا سيما أن سجناء أيام سنوات الرصاص كانوا يسجنون في معتقلات أسمنتية، سواء في الصحراء أو في الأماكن العامة، ومع ذلك، لا يسمع ولا يرى منها شيء.

ومن هزيع لأخر، تتقدم هيكلة النص في شكل نظام أو- لاستعارة مفهوم رولان بارت- من (نسيج) دلالي[6]، تكمن مسؤوليته في جعل (العلامات تتحدث)، وفقا لنتيجة الهزيع السابق. وما حدث عندما يبدأ الأول يعتبر آثارا لما حدث قبل أن يبدأ. وما حدث من قبل يتم شرحه من خلال كلام الشخصيات، ليس بطريقة كاملة، وإنما عن طريق أجزاء، وفي تسلسل ليس بالضرورة يكون منتظما. وقد تم تصميم الهزيع الأول على هيئة مقدمة منطقية للأحداث، تعلن عن المواضيع الرئيسة للنص، وإطار العمل الذي يعد جزءا من ديناميات المجموعة الأساسية-الهزيع الثاني، الثالث، والرابع الأخير- التي تشكل: مرور هزيع لآخر، الخارج للداخل، عالم البشر إلى عالم السجن، من الحياة إلى الموت، من الكلام إلى الصمت، ومن الوجود إلى الغياب. فالنص يحتوي على بنية متداخله تكون محسوسة شيئا فشيئا أكثر كلما تقدمت فيه الأحداث. بحيث تشكل اللوحات الأربعة امتدادا زئبقيا، ينشر كل جزء منها جانبا من المشكلة، وكأنها تتحرك بشكل دائري لكي تكمل بعضها البعض، بالتالي. مثل الدوران عكس عقارب الساعة في الرقص الصوفي، الذي هو دليل على تبادل الليل والنهار، وعلى حركة دوران الكواكب والكون، كما أن هذا الدوران يمثل حركة الحياة في دورانها حول نفسها. وعلى الرغم من وجود اختلافات، وتشابهات في المعالجة السردية الشعرية للحقائق فيها، إلا أن خصائص الكتابة التي يمكن ملاحظتها في هذا النص تتزامن مع العالم المرتبك الذي توجد فيه الشخصيات. فشخصية سين، مثلا، تعود دائما إلى الحقائق، ولكن في دائرة تصبح دوامة تغلق مرة وإلى البد في نهاية النص. ولا تبدو أن هذه الشخصية تجد متنفسا، لا في الواقع الذي أتت منه ولا فيما تمثله، أي الخيال. سين: ششت! ولتنفلق ذراتك في فصل الموت، يمتد عبر الفصول المتداخلة جميعها، ولا مناص إلا صمتك الأبدي (…)

يعرض لنا (محمد قاوتي) في هذا النص، شعريا وفلسفيا ومسرحيا جنون السياسة، وعذابات حالمي الثورات وحاملي ثقل فوانيس الحرية، ومغيري العالم، الذين يتعرضون للألم والتعذيب، لمجرد نطقهم لما هو غامض، مثلا، وليس الحصر: إن لكلمة غموض مفعولا سحريا على نفسي! (…) كلما التقطتها مسامعي! أضع يدي على مسدسي! (جوقة القنعة، الهزيع الثالث). بهذا المعنى والمنطق، تتقدم المأساة اليوم كدليل على الانتماء إلى هذا النوع من الكتابات الشعرية، والتي تدل على النهاية المميتة، وتستدعي في نفس الوقت، الكوارث المفاجئة والمخيفة التي تحدث في المسرح والعالم الحقيقي.

 (جوقة الوجوه: اعزل، اعزل من كل شيء؟ سين: من كل شيء إلا (…) الفانوس! الفانوس وحده يضم جناحيه على قبس من نور! من ذا الذي يعيرني جناحيه لسلك اللجة المضطرمة بكل مجهول والنفس الهلوع تضيق درعا بالظلام). أو لمجرد ذكرهم في رسائلهم أسما: (كنت أرى سياراتهم تتجسس عليّ داخل الزقاق! مراسلاتي تفتح وتقرأ قبل ان تصلني! الهاتف، (…) حتى البراءة استأجروها أعينا وألسنة للتبليغ عني!) (الهزيع الثالث). إن المبدأ المأساوي الذي يعيشه المعتقلون السياسيون، بالنسبة للمؤلف، يتجسد في هذا النص ويعني في ذات الوقت، المصير والطريق القاتل الذي يقود الإنسان إلى التجاوز وإلى حتفه أيضا، على الرغم من الرعب الذي يمكن ان ينتجه في المتفرج والشخصية ذاتها مع تجاربها القصوى من الألم والمعاناة. (جوقة الوجوه: سوف يضربونك ضربا مبرحا!، سوف يدخلونك الكَاشُو (…) لا يمكن للمضرب عن الطعام أن يضرب عنه مرتين في المرة الواحدة). فالأضراب عن الطعام، يعتبر هنا، بمثابة قدر يدافع من خلاله السجين عن نفسه، وأداة للاحتجاج السياسي، ووسيلة من وسائل المقاومة السلمية، لأشعار الآخرين بالذنب، ولتحقيق أهداف محددة من ورائه، وربما القبول بالموت أحيانا كشرط إنساني. وهكذا يمنح (قاوتي) فكرة القدر الإنساني رؤى مزدوجة في بناء فكرته الدرامية المعاصرة، كطريق تتبعه الشخصيات، لكي يقودها إلى السمو، وبأي شكل من الأشكال. (سين: اعلم، أمي، ان العبرات ستغلبك عندما ستفهمين أنه من الممكن ان تنقطع عليك أخباري، إذ سأغادر حالي لأدخل في أحوالي..). تزف الشخصية هذا الحوار للأم وهي على بينة من أنها في طريقها للاختفاء، أي إنها صارت تتنبئ بموتها. هذه الرؤية للعالم التي تلخصت بالعدم أو الصفر، هي رؤية منبثقة من ويلات السجون، وعبثية الحياة ولا معقوليتها، ومن الخراب الذي تعيشه، شخصية (سين)، فهي الشاهد الوحيد على الرعب الذي كانت تعاني منه، دون فهم ربما أسباب ما يحدث لها، ولهذا تختزل لغتها في كلمة واحدة تلخص الفراغ والدوامة التي تعيشها الآن.

إن هذا النص، بمثابة مثالا واضحا للدراما التي تبدأ فيها الكارثة الدرامية، التي يعجز فيها الإنسان على إعطاء إجابة شافية لسبب الأحداث التي تحيط به، فيغرق في هذيانات لا ترى العالم إلا من خلال زاوية سوداوية مدمرة تحيل العالم إلى عدم في لحظة من اللحظات. وهذا ما يذكرنا بـ(نهاية اللعبة) لصموئيل بيكيت، (أربع شخصيات تعيش بعيدة عن الحياة في غرفة مغلقة ذات نوافذ مرتفعة، عالم لا يتحرّك ولا تحدث فيه أو له أي تغيّرات، شخصيات لا تملّ من تكرار حواراتها من دون معنى أو هدف، من دون حتى أن تكمل جملها، ضمن العبثية التي تبنّاها بيكيت في كتاباته. سين: لا قني يا موت، لاقني … ها أمعنت في الأحزان وما عاد بين ضلوعي قلب يهزه الشفق ولا ومض الابتسامات (…) (الهزيع الرابع).  يبدو أن المصير يستمر بمطاردة شخصية سين، وصار يمثل بالنسبة له، وجودا قاتلا يهدده مباشرة باستجوابه للوجود وللخالق، ليس من وجهة نظر دينية مبهمة، ولا من التناقض، وإنما وفقا للحاجة لإيجاد معنى لما يبدو ليس له أي معنى.

سين: إلى أين، وهديلك لم يدلني على مرفيء لسفينة تعبت بها الظنون والأشجان والحمى البيضاء والانهزامات؟ آه سيدي، يا سيدي الدنيا، إلى أين؟

إن هذا النص، لا يعيد بناء حدث تاريخي. على الرغم من أن بعض الأشخاص الذين يعيشون بيننا يحملون أسماء الذين عاشوا تحت انقاض سنوات الرصاص، ويتغنون بما حدث لهم من جحيم. إذ لا يمكن للمرء أن يستنسخ استنتاجيا تاريخا قويا الأشخاص، والأماكن، التي كانت مسرحا للجريمة والإبادة. ووفقا لمنطق الدراما الخيالي، فإنهم يأتون من الخيال ويعملون ببساطة على سرد قصة تدهور المجتمع وانحطاط إنسانيته، مثل العديد من نهايات العالم الأخرى. لذلك، لا ينبغي، في رأينا، تفسير أو أداء هذا النص على انه تحليل نقدي للماضي، أو اعتباره تسوية حسابات، أو إدانة مبسطة لحقبة زمنية فقط. بهذا المعنى، ومع مراعاة الوضع العنيف الذي كانت تعيشه البلاد، يركز النص/العرض على الواقع الاجتماعي الذي يواجه الأفراد والمجتمع مع المبادئ الأساسية للإنسان ولكن يظل مبدأ السببية لا يمكن تعقبه. لا سيما ان فعل البطل لم يعد مرئيا اليوم، وإن النظام الدراماتورجي الراسخ الذي كرسه الكاتب في هذه الدراما قد اكتمل، بعدما أصبح النص في متناول شهود عيان على الأحداث، بدلا من الأبطال الأصليين. ليس كشهود سلبيين، بل على العكس، كشهود فاعلين. لأنهم عانوا منها وعاشوها.

لقد كانوا ومازالوا، في الأوقات الدرامية، ضحية مباشرة لما حدث. بعض هؤلاء الشهود من الناجين، والبعض الآخر قد مات بالفعل. ولكن بغض النظر عما إذا كانوا على قيد الحياة أو تحولوا إلى أشباح، فإنهم يواصلون تكرار قصتهم ليس فقط كحكاية بل كحقيقة من حقائق الحياة. ومن هنا تأتي أهمية هذا النص.

[1] – Peter Szondi, Essai sur le tragique, Circé, Paris, 2003, p. 69.

[2] – عبار مشتقة وبتصرف قليلا، من شيخ الصوفية الأكبر محي الدين بن عربي الذي قال في بدايات كتاباته: ولولا قطع البلعوم، لأظهرت هنا سرا يهتز له العرش وما حواه. يوسف زيدان، تجليات النبوة في فصوص الحكم، لابن عربي، بحث شفاهي مقدم إلى لجنة ترقية أساتذة الفلسفة.

[3] – محمد بهجاجي، بلاغة الالتباس، قراءات في المسرح المغربي، عن دار النشر المغربية.

[4] – « le sacré, le profane, le spirituel et le temporel : contribution à la réflexion », Annales de la Faculté des lettres et sciences humaines, N°35, Dakar, 2005, p.13.

[5] – القس بول ربان: https://www.facebook.com/HKhojali/posts/10153612132000326

[6]BARTHES, R., Le plaisir du texte, Éditions du Seuil, Paris, 1973.

مساحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *