مسرحية “شابكة” لفرقة “الأوركيد”: تماهي الاحتفالية و البساط و العبث (1) الحسين فـسكـا

مسرحية “شابكة” لفرقة “الأوركيد”:

تماهي الاحتفالية و البساط و العبث (1)

الحسين فـسكـا

 

في إطار مهرجان ابن امسيك للمسرح الاحترافي، الذي تنظمه سنويا فرقة “فضاء القرية للمسرح”، قدمت فرقة “الأوركيد” عرضا جديدا لمسرحيتها “شابكة” يوم الثلاثاء 2 أبريل 2019 بالمركب الثقافي مولاي رشيد، في أمسية حضرها جمهور نوعي غفير.

المسرحية من إعداد و إخراج “أمين نسور”، عن نص “على باب الوزير” لـ”عبد الكريم برشيد”، و تشخيص أعضاء فرقة “الأوركيد” التي تمارس أنشطتها بدار الشباب “المغرب العربي” بـ”بني ملال”.

استفادت المسرحية من دعم لوزارة الثقافة، و سبق لها أن جالت مدنا مغربية أخرى، و شاركت في فعاليات النسخة الحادية عشرة لمهرجان المسرح العربي بمصر المنظم شهر يناير الماضي، و عرفت عروضها السابقة تجاوبا إيجابيا لافتا، و متابعة نقدية وازنة في الصحافة الثقافية و الفنية المغربية، الورقية منها و الإلكترونية.(2)

العنوان: امتدادات دون حدود…

لعل أول ما يلفت الانتباه عند مباشرة أية مقاربة نقدية لهذا المنجز توالد الامتدادات التأويلية لتركيب العنوان، لغويا و دلاليا؛ بل إن العنوان، لوحده، قد يستلزم قراءة مستقلة.

و من أكثر تلك التأويلات إلحاحا، خصوصا في حال ما قبل مشاهدة “العرض/ المسرحية”، مسألة التصنيف اللغوي بين الفصحى و العامية: فالتركيب الاشتقاقي (اسم الفاعل) يسعهما معا بقدر يجعل طرح السؤال الموالي أمرا “بديهيا”: هل هذه المسرحية باللغة الفصحى أم باللسان الدارج، سيما و أن صاحب النص الأصلي (“عبد الكريم برشيد”)، المثبت في ملصق المسرحية، يكتب عادة بالعربي الفصيح؟!…(3)

ثم إنه، في نفس المستوى اللغوي الاشتقاقي، تحضر مفارقة جواز اعتماد اسم المفعول أيضا، و باللسان الدارج المغربي: “مشابكة”، و قد أتى اللفظ الأخير فعلا في أحد المشاهد على لسان رب الأسرة “عبد العالي” (“عبد الله شيشة”)، و أدت الكلمة نفس معنى شقيقتها اللدودة: “شابكة”، في سلاسة عجيبة؛ و لعل السر في المفارقة يكمن في المستوى الدلالي، ناهيك عن المعطى اللغوي و الاصطلاحي.

فتوالي مشاهد المسرحية، عبر منظريها الاثنين، يشير ركحيا إلى “تشابك” مواقف و سلوكات و حالات مفارقاتية، أبطالها هم في نفس الوقت مسببوها و المتأثرون بتبعاتها، و تنصهر الأمور ليجتمع الكل داخل نفس “الشبكة” المختلطة المحتوى: و هذا تشذير ثالث للبعد الاشتقاقي لغويا و دلاليا أيضا.

و الحقيقة أن اللفظ المتداول في المجتمع المغربي، حضره و بدوه، هو اسم المفعول (“مشابكة”) لا اسم الفاعل (“شابكة”)، و لو اختار المعد/ المخرج اللفظ الأول لأجازه. لكني أرى في الأمر نية و “سبق ترصد”، قد يكونا “التفرد” بكشف الغبار عن كلمة منسية مهملة معطلة الوظيفة تداولا أو غير واردة في الأقصى؛ و قد يكون الـ”انجراف” نحو “غرابة لفظية” منشودة: فمن فرضيات اختيار اسم الفاعل المختار عنوانا للمسرحية، لدي، أن يدخل الاختيار خانة ما تمكن تسميته بـ”غريب العنوان”، كما نجد عند بعض المبدعين الشباب المعاصرين الذين يقصدون “غرابة” العنوان قصدا، و في مقدمتهم الكاتب المسرحي “كمال الإدريسي”.(4)

و من ردود الفعل التي سمعتها بعد العرض أن اللفط المختار متداول في بلد مغاربي أو اثنين، لا في المغرب بالتأكيد.

و من امتدادات العنوان “الغريب” تناصه مع عناوين أعمال مسرحية معاصرة، لعل أقربها “راس الخيط” لـ”إسماعيل بو قاسم”؛ إذ التشابك غالبا ما يكون لـ”خيوط”؛ و إذا كان بو قاسم أمسك في مسرحيته، بدعم من مخرج عمله “الزيتوني بوسرحان”، برأس الخيط الذي هو “حب السلطة (/الكرسي)”، فإن أمين نسور “خلاها مشابكة”!… و لكل دوافعه الوظيفية و الإبداعية و الجمالية.

أما الابتعاد الواضح في اختيار “شابكة” عن عنوان النص الأصلي “على باب الوزير” فمرده أن  “نسور” اشتغل على الجزء الأول فقط من النص ذي النفسين (/الجزأين).

البحث عن “عبد الكريم برشيد”:

إن نصوص “عبد الكريم برشيد” صعبة التحويل بطبيعتها، لدرجة أن منها مسرحيات تغري بالقراءة الورقية (/الإلكترونية) و الاطلاع و التدبر و التأمل أكثر من التفكير في مشاهدتها على الركح، و ذلك لزخم الحمولة الفلسفية/ التنظيرية فيها؛ و لا أتخيل طاقم فرقة محترفة (أو هاوية) باشر تداريبه على أحد أعماله قبل التداول المطول و السجال العسير حول الاختيارات الفنية و التقنية و الجمالية (و ربما: المتنية) التي سيقتنع بها الفريق في الأخير اقتناعا، لتقديمها للمتفرج المغربي و العربي على هذا النحو أو ذاك.

و إذا كانت نصوص احتفالية مركزية لـ”برشيد” قد نالت منذ عقود حظها من التحويلات الركحية (محليا و عربيا)، بعدد القراءات التأويلية لمخرجيها، فإن نصوصا أخرى من الأعمال الكاملة(5) لـ”العراب”(6) و نصوصا حديثة له ما زالت تنتظر من “يتكبد” معاناة إعدادها و إخراجها، و أخال بعضها استعصى بالفعل على التحويل الركحي الذي يليق به.

إلا أني أستحضر هنا المباشرة الجريئة مؤخرا لـ”عبد المجيد شكير” في “تصديه” لأحد تلك الأعمال الأشد استعصاء، و المتمثلة في نص “مقامات بهلوانية”؛ و لولا تمكن الرجل من الأدوات الجمالية (خاصة) للفعل المسرحي لما انتفى المد الخطابي في الحمولة المتنية، و لما استطاعت بالتالي فرقة “أبعاد” إيصال العمل إلى “بر الأمان”.(7)

 

إن من جرأة (/مغامرة) التحويل الركحي لـ”شابكة” عند “أمين نسور” أنه انتصر لـ”الفكاهة” على حساب “الرصانة الفكرية” لكن دون إلغائها، و أذكر من ذلك:

  • الاختيار “المبدئي”(7) للغة العامية المغربية باعتبارها أكثر قابلية لخدمة البعد الفكاهي الساخر للعرض، عكس التزام رائد الاحتفالية بالفصيح.
  • تقديم الاستطرادات “السوفوكلية” و “الشكسبيرية”، على لسان الأب، كتناصات مكملة للمد التفكهي، لا كمونولوغات مستقلة مقصودة لذاتها.
  • “تورية”(8) بعض راهنيات الشأن العام (/السياسي) خلف الحوار العادي المبسط كما جاء على لسان الابن “سلطان” (“نبيل البوستاوي”) و هو يتحدث مع والدته “صليحة” (“حنان الخالدي”) عن “فردة” حذاء رجله اليسرى: “اليسار مثقوب أ الوالدة!…”

عتبات و عتمات:

غير أن ما يؤاخذ على العرض بعض الإفراط في المد الفكاهي و توخي الإضحاك، مما شكل لحظات ضعف و بياضات، و إن كانت ملعوبة؛ و هو أمر إن مر مرور الكرام على إجمالي الجمهور الحاضر، بل حصد تجاوبه الإيجابي، إلا أنه قطعا لا يستساغ من عارفين مهتمين لم تخل القاعة من طينتهم، و من ذلك على سبيل المثال:

  • طول الحوار الميمي الساخر لعازفي الكمان الاثنين بين مشهدين، و إقحام الانتقال الميمي لأحد العازفين ليستبدل آلة الكمان بالأورغ.
  • السقطة الجماعية المتكررة في أحد المشاهد (ثلاث سقطات متتالية أو أكثر) دون وازع مقنع غير الإضحاك المباشر.

و من العتمات المرئية هيئة شخصية “الراديو” (“عادل اضريسي”) و الملحقات و مجسمات الديكور ذات الصلة… ذلك أن الدور الحقيقي لـ “اضريسي” كان أكبر حجما مما أسند إليه “رسميا”، و أكثر تعددا: فقد لعب أدوارا رابطة محورية منها “الراوي” و “الحكواتي”؛ بل جسد، بفضل حنكته و تمرسه الجليين(9)، في أكثر من موقف، “جوقة” لوحده: يعلق على الأحداث، ينتصب طرفا فيها، يخرج عن النص متى شاء و “يكسر الجدران”، ينشط الحضور و يجمع الحلقة، يغني مع المغنين و يضبط بـمقص فنون “عبيدات الرمى” المقطوعات التنشيطية الشعبية. لقد كان فعلا “أكبر من الراديو” و أكسسواره الذي “اختنق” داخله!… و حسنا فعل “أمين نسور” عندما سمح لـ”راويه” بالانعتاق في آخر المسرحية و التخلص من أكسسواره في انتفاضة و تمرد مستحبين.

إشراقات توليفية:

استوفى العرض تقريبا كل متطلبات “الاحتفال” المسرحي، بمؤازرة قوية من التصرر السينوغرافي، سيما السمعي منه.

إن توظيف ممثلين/عازفين “حقيقيين” مباشرين فوق الخشبة في شخص “عبد الكريم شبوبة” (الكمان و الأورغ) و “أنس عاذري” (الكمان) و استثمار آلات إيقاعية نوعية (الطبل، “مقص الدزازة”، سطول معدنية غريبة الديزاين…)، ثم استثمار الموسيقى المعزوفة مباشرة كبينيات تملأ لحظات الانتقال من مشهد لآخر، ناهيك عن أداء صوتي مباشر أيضا لـ”مغنين في الأصل” (المطربة “هند نياغو” و الابن “سلطان”/ “نبيل البوستاوي”)، هوائيا، و بالمكروفون العيني المتصل آنيا بأجهزة الإصاتة، كل ذلك أعطى للعرض نفسا قويا على مستوى التلقي الوجداني.(10)

و من الإضاءات “السينوغرافية/السمعية” الاختيار الموفق لربرتوار “المشاهب”، بل إن  الجمهور ارتحل طوعا لاستكشاف جديد لمتن المجموعة عبر “الموال”، و ذاك ما أتقن أداءه الثنائي “هند” و “نبيل” في احترافية ملحوظة.

و من حسنات العرض السينوغرافية/المرئية استغلال الفضاء العمودي بتقسيم الديكور علويا إلى قسمين، لكنهما يتقاسمان في الكثير من المشاهد و اللقطات تقديم نفس الحدث أو الحوار، في ذات الحين و الآن؛ و ذاك تشذير جمالي يحسب للسينوغراف “طارق الربح”، حيث أتاح للممثلين إمكانية اللعب في المستويين بأريحية و حماس، و وجدوا في الأمر فرصة لإبراز مؤهلات خاصة، كما عند المخضرم “عبد الله شيشة” (مشاهد القفز من أعلى و الحركات البهلوانية على العارضة نموذجا).

لقد خدم التشذير الثنائي للمنظور (أسفل/أعلى) إذن مفارقة تحاور الشخوص كما لو كانوا في مستوى فضائي واحد، مسهلا التنقل بينهما بفضل الدرج المتنقل، و هذا “تشابك” آخر، سينوغرافي هذه المرة، عزز تجريبية العرض التقنية.

و انسجم التشذير، أخيرا،  تمام الانسجام، مع مفارقات متنية و مشهدية ثنائية، منها ما يلي:

  • “عبثية” وصول أحد تلامذة الأم ( المعلمة المتقاعدة)، غبي و متعثر، مرتبة “وزير”!…
  • التناقض الصارخ لما اكتسبه و يكتسبه الابن من تربية والديه: فمن جهة غرس المبادئ المثلى من لدن الأم، المعلمة، حاملة القيم؛ و في الجهة المضادة تمرد الأب، الموظف السابق الساخط على الوضع، لكن المرحب بأي فرصة انتهازية لتحسين أحواله المعيشية.
  • حمل الابن اسم “سلطان”، بينما هو يختزل عند والديه كل ترسبات الفشل الاجتماعي و عدم الوصول إلى مركز “سلطة” وصلها بسهولة غريمه تلميذ أمه الغبي، و بقي هو حبيس أفكاره التقدمية متقوقعا داخل مظهره “الشيغيفاري” و أسلحته الفكرية “الباردة” المهترئة التي لا تكسب معركة تذكر في حرب صراع الطبقات… ثم إن “تقدميته”، حسب ما تبين من محاوريه (والديه)، ينقصها الفعل و لا تتجاوز فاه و لسانه، تقدمية يطبعها الكسل و الاتكال و الارتخاء و انعدام الحماس.
  • وضعية اليمين و اليسار الحالية (“اليسار” المشار إليه سالفا) في الساحة السياسية للبلد (/المغرب) مع امتداد مفتوح على الوطن العربي، و العالم الثالث عموما.

تركيب:

و على سبيل الختم أقول:

إن مسرحية “شابكة”، كما شاهدتها في عرض “مركب مولاي رشيد”، مزيج بين تأصيل “البساط” في مناخ “احتفالي” لا ينقصه ما يلزم من “العبث”.

و “أمين نسور” مخرج مبدع و ذكي، استطاع أن يقدم، عبر هذا العمل المتميز، منجزا إخراجيا قويا يثبت ذاته إلى جانب نص الانطلاق لـ”عبد الكريم برشيد”، لا أن يتستر خلفه و “يستنجد به”، كما يفعل بعض المخرجين (بين قوسين طبعا) و ثلثة من “المتجاسرين” على الإخراج أمام مثل هذا النوع من النصوص المرجعية، إما لكسلهم، أو لمحدودية آفاقهم التحويلية على الركح، أو لافتقارهم للعدة الأكاديمية و الدربة و المغامرة، و ما إلى ذلك من “توابل” الإبداع الحق.

هوامش:

(1) هذه القراءة تخص العرض الذي قدمته الفرقة يوم الثلاثاء 2 أبريل 2019 بالمركب الثقافي مولاي رشيد بالدار البيضاء.

(2) منها قراءة نقدية قيمة لـ”محمد أمين بنيوب” نشرتها جريدة “بيان اليوم” بعنوان “مسرحية شابكة: ثنائية اللعب و الموقف”. (العدد: 8513 ليومي السبت و الأحد 22 و 23 شتنبر 2018).

(3) تستثنى من هذا الطرح إشارة بالملصق تتمثل في الترجمة الفرنسية لـ”الاسم/ العنوان”: chabka

(4) من عناوين مسرحياته:العاشقة خادم، “المسخ”، “الشهبة ذياب”.    

(5) عبد الكريم برشيد: “الأعمال الكاملة/المسرحيات”، منشورات وزارة الثقافة، مطبعة “دار المناهل”، 2009.    

(6) نقصد هنا ريادة الاتجاه الاحتفالي، ممارسة و إنتاجا و تنظيرا.    

(7) نص “المقامة البهلوانية” متوفر في “الأعمال الكاملة” لـ”عبد الكريم برشيد”، الجزء الأول، ص: 205.

(7) بمعنى “الأولي” لا “عن مبدأ” بالضرورة.    

(8) بمعناها البلاغي.

(9) يمارس الفنان “عادل اضريسي”  التأطير المسرحي ببني ملال.

(10) من نافلة القول التذكير بصعوبة تقمص ممثل غير عازف دور عازف حقيقي (مباشر أو بـ”البلاي باك”). و تحضرني في هذا السياق مسرحية “صندوق الرمى” لفرقة “الورشة”، تأليف “المسكيني الصغير” و إخراج “فريد لمكدر”؛ حيث تحتم على البطل/ شيخ الكمنجة (“جلال بوفطايم”) أن “يتكبد” متابعة العزف المصاحب، طيلة العرض تقريبا!… و لوحظ خلاف ذلك تماما في عرض “سيدي عبد الرحمان المجذوب” (إنتاج 2018/2019) في إخراج لـ”محمد مفتاح” عن النص المشهور لـ”الطيب الصديقي” حيث تم انتداب ناجح لعازف كمان “حقيقي” للفقرات التنشيطية الشعبية الاستهلالية و البينية، و المصاحبة الموسيقية لبعض المشاهد، و هو الفنان “خالد الناصري”.

 

ألمقالات ذات الصلة

Leave a Comment