جثة على قيد المسرح (المخرج المسرحي ودوائره)/ بوسرحان الزيتوني

ارتبط المسرح في ذهني مبكرا (أواسط السبعينات 1974 / 1975 من القرن الماضي) بالغرابة / وكان مصدرا للادهاش ، دولة عمالقة. لم يكن فضاء عيشنا – طفولة ومراهقة – فضاء ثقافيا، فالتلفزة كانت ترفا عند العائلات، ودور السينما كان يتزاحم فيها الفيلم الهندي الذي لا شيء فيه يشبه الحياة، أما المدرسة فقد كانت واجبا لا متعة فيه.

بين إياب من المدرسة وإياب. كنا نتردد على دار الشباب الوحيدة في الحي، في بهوها اكتشفنا ألعابا جديدة، ومن خلف زجاج قاعاتها المصطفة داخلها اكتشفنا أجسادا تتحرك كالأغوال، أغوال تتحرك بسلاسة. جذبتنا، في الأول، أصواتها المجلجلة، ثم التصقت عيوننا(أنا وصديق لي اسمه أكناو) بزجاج نوافذ القاعة. في تلك اللحظة، وبشكل ما، دون أن أحس، تسللت صور المسرح الأولى : ممثلون يكاد صوتهم يخترق الناس والأشياء، وعيونهم -خلال ذلك- تكاد تفر من محاجرهم، وقسمات وجوههم تنقبض وتنبسط.

وأنست في نفسي القدرة اني أستطيع أن أتشبه بهم. وعلى نحافتي وصغري، بدأت الرغبة في التمثيل تغري أنانيتي، أن أتحول من مشاهد إلى شاهد، من متفرج إلى مفرج.

ما أستطيع – الآن – أن أصف به صورة المسرح التي ارتسمت – ربما – في ذهني – آنذاك-، هو كونها شكل للخروج من العادي، من اليومي المنساب بالرغم منا إلى حياة نتحكم فيها.. حياة نختار فيها من نكون، وما نكون، صورة تغري الآخرين أن يقفوا لمشاهدتها، ثم التصفيق للذين يحيونها، بشكل لا يحدث في واقع الحياة العادية.

وكما رسخ المشهد من خلف الزجاج في صورة المسرح، فقد كان درسا ومجالا لتحصيل معرفة، تطورت عندما دخلنا القاعة، وجلسنا بالقرب من الممثلين ( يتعلق الحديث عن مسرحية القطران في الشهدة لمحمد الطبعي تمثيلا وإخراجا)، كان المغرب قد دخل في زمن صحرائه ( زمن المسيرة الخضراء)، ووجد الجميع أنفسهم رقما في هتافات تؤيد، أو تردد أغاني، أو إنتاج مسرحيات، وفق ما اقتضته إرادة وزارة الشبيبة والرياضة.

اكتشفت أن هناك من هو أهم من الأجساد التي تتحرك، اكتشفت الشخص الذي يحركهم، الشخص الذي بمشيئته تستوى صورتهم وتتتاغم أصواتهم. اكتشفت المخرج.

الأهم من ذلك أيضا، اكتشافي زمنا سياسيا آخر، هو أيضا، كالمسرح،  يخترق الحياة الكئيبة ويعد بحياة سعيدة، للفقراء مثل أسرتي، والكادحين، مثل أبي العامل المياوم في مهنة البناء.

بذلك الفهم للمسرح، وبهذا الأفق في الفكر، انطلقت في دوائر حياتي الفنية، متغذيا بقراءة العديد من الكتب التي تمكنت خلال مرحلتي الثانوية والجامعية المكسرة  أن ألتهمها (1979 / 1982) ، كتب في الفلسفة والشعر والرواية والكتب الدعاوية الماركسية والماركسية اللينينة. وكتب حزب البعث العراقي التي بدأت تتقاطر حينذاك بأثمنة زهيدة، ومن ضمنها مجلات رخيصة ، تمجد العراق ضد الثورة الاسلامية وضد إيران، وتعلي من شعارات القومية العربية وشعارات الوحدة.

وبسبب استغراقنا في الفكر الماركسي، فقد كرهنا الثورة الإسلامية والقومية معا، وإيران وحزب البعث أيضا. وقد انعكس ذلك في المسرح الذي أنتجته، وخاصة مسرحية تقاسيم على وتر حساس ومسرحية الضد وضده فما كان شكل هذا المسرح ؟ إنه مسرح يتغدى على ملحقات المشهد ولا يحتفي بديكوراته، إنشائي في حواراته، أقرب إلى منولوجات أو حواريات فكرية، تناقش علاقة المثقف بالسلطة، فيها المثقف- دائما- إلى جانب الشعب، والسلطة فيه ضد المثقف، وبالتالي ضد الشعب الكادح.

وقد كان لهذا المسرح نجاحاته لدى جمهور يتكون في الغالب من أصدقائنا ورفاقنا وأهلنا، ورفاقهم وأصدقائهم وأهلهم، وهو جمهور – رغم قربه منا – كان منقسما في عشقنا، بين من يهمه تمثيلنا ومن يهمه قولنا.

ولعل هذا الانقسام – غير المعلن والذي لم يشكل قضية – والذي أحسسته في رد فعلهم وارتساماتهم، هو أول مؤشر على فشل مسرح لا يحتفي بالمسرح فنا بالأساس: أن يكون قوله شكله، وشرطه انتظامه في سياق فنون جميلة تحتفي بالإبداع. لقد أدت بي التجارب الأولى أن ليس مهما – في الإبداع – ما تقول بل كيف تقوله.

لهذا أسست ناديا للبحث الفني ( بمعية الفنان البهجة عبد الكبير1984 / 1985) وسطرنا برنامجا لاكتشاف أهم الاتجاهات المسرحية من خلال تخصيص دورات لها، بدأنا باستنسلافسكي ثم بريخت ثم جروتوفسكي. لكننا في أول تجاربنا وجدنا أنفسنا نمارس مسرحا مختلفا، يعبر عن متخيلنا ولا يصنعه مقرؤنا. إن قراءة بريشت ، أو غيره – لا تصنع منا برشتيين، ولا تساهم في أن يكون عرضنا بريشتيا.  لهذا كان مهما للمسرحي، كما الشاعر، أن يترك لمخيلته وفعل تخييله مساحات الحركة الحرة غير المقيدة. لإن الإبداع أصلا هو النسج على غير منوال.

ورغم البون الشاسع بين إنتاجاتنا في بحثها عن الذات وبين النظريات والاتجاهات المسرحية في الغرب، فقد علا صوتنا، بانتماءات مسرحنا إلى هذا أو ذاك الاتجاه.

في تلك المرحلة، الحياة الاجتماعية تزداد توثرا، فالانتفاضات التي عاشتها الدار البيضاء والحسيمة و الناضور و تطوان و القصر الكبير و مراكش بين 1981 و 1984 ، بسبب الزيادة في الأسعار، أثارت الكثير من الأسئلة، خاصة أن مدينة ضخمة تم حصارها وتحويلها مجال حرب في أقل من ليلة. وكما تمخطرت الدبابات في الشوارع، عاث اللصوص والفوضويون رعبا هائلا في الناس. وقد ازداد مع الرعب المهيمن مراجعات في الفكر اليساري، وبدأت انقسامات حزب الاتحاد الاشتراكي تتجه نحو نقطة اللاعودة.

في المسرح، وبخاصة في فضائه الحي (مسرح الهواة) كانت المعركة قد انطلقت، بين الجامعة الوطنية لمسرح الهواة وبين العديد من الجمعيات المسرحية، والتي اختارت مقاطعة المهرجان الوطني، والبحث عن صيغ للالتقاء فيما بينها، فأنشأت ملتقيات ولقاءات ومهرجانات موزاية بإمكانات ذاتية أو محلية. ومن تلك المهرجانات التي صنعت انطلاقتي الحقيقية اللقاء الوطني بمكناس وملتقى أكادير للمسرح

لقد كانا لقاءان كبيران، شهدا دخول جيل جديد من المسرحيين، جيل قادم من الجامعات المغربية، بأسئلة جديدة، أهمهما مساءلة التاريخ والشكل المسرحي والجسد المسرحي. هنا عاش الجميع دفء حلم جميل : محمد قاوتي ، عبد الحق الزروالي ، ابراهيم نشيخ ، جمال العبراق، محمد الكغاط، حسن المنيعي، عزالدين بونيت، عزيز البوزاوي، محمد تيمد، محمد سكري…نجيب طلالن مولاي الحسن الإدريسي … بالإضافة للعديد من الطلبة الذين سيكون لهم لاحقا شأن في الكتابة عن المسرح والحديث عنه وفيه…

شكل ملتقى مكناس محفلا لسؤال التجريب، ورغم أن أفق التعاقد فيه، كان مفتوحا بين تيارات سياسية مختلفة، فقد كان الجمع يترك خياراته السياسية في الدرج الأبعد، مقابل الإعلاء من ممارسة شغب جديد لخلخلة اليقين المسرحي. لذا شكلت مسرحيات السلام البرنوصي نومانسلاند واندحار الأوثان، انعطافة في الشكل المسرحي وفي الفكر، ولحقتهما مسرحيات عديدة لمبدعين كثر، من بينها ليلة بيضاء وماض اسمه المستقبل. و….

في أكادير، كان اللقاء يصارع في الإبقاء على سؤال الالتزام في المسرح، لكن يبدو أن الاتجاه العام كان يمضي في اتجاه سؤال المسرح في ذاته ولذاته… وبدأ مفهوم الالتزام يترنح داخل تابوته الستاليني، نحو التزام أوسع وأشمل ، الأكثر غموضا والتباسا.

في الجو العام المربك للساحة المسرحية، كان حلم مجموعة داخل الفرقة أن تصدر مجلة تخص المسرح وتختص به، مجلة دراما (صدر منها عددان 1992 ) ، يقود حلمها جمال عبد الناصر الفيزازي وسعيد طنور وكنت أرأس تحريرها ويسهم فيها عبد المجيد شكير.

كان الطريق المرسوم للمجلة أن تشكل جمعا بين مكناس وأكادير، بين سؤالين وأجوبة شتى، بين مسرح يبحث عن تجدده ولا يغادر وظيفته، مسرح يحتفي بالتجريب ولا يغترب فيه، يتقصد الجمال ولا يختنق به. لكن الإمساك بذلك كان صعبا، وبخاصة، عندما قدم المسرح المغربي تنازلات كبيرة للمسرح، مع المناظرة الوطنية للمسرح الاحترافي والمناظرة الوطنية لمسرح الهواة.

لقد كانت بداية التسعينات من القرن الماضي، بداية لمرحلة مختلفة أمام المسرح المغربي، تمثل سقفها الإبداعي بين مسرح شعبوي جماهيري ممثلا بإنتاجات فرقة مسرح الحي، ومسرح مثقفي ممثلا بإنتاجات مسرح اليوم بقيادة المخرج عبد الواحد عوزري والممثلة ثريا جبران.

ولقد احتاج الاتجاه الثاني شيئا فشيئا إلى استقطاب مؤلف من حجم المسرحي محمد قاوتي (مسرحية بوغابة عن السيد بونتيلا وتابعه ماتي) ومنظر مسرحي من حجم عبد الكريم برشيد (النمرود في هيوليود )…  ليجدد في الشكل والاتجاه.

أما الاتجاه الأول فقد كان حد أفقه تحويل العرض المسرحي إلى ماكينة حصد المال، وسبب تراكمه في انفراط العقد الذي جمع صانعيه.

وقد انتهت التجربتان معا إلى الباب المسدود لأسباب مختلفة… وران الصمت الخشبات المسرحية القليلة وقتذاك.

….

خلال المرحلة  بين 1992 و 1997 ، لم تعد هناك ممكنات للعمل المسرحي، بالكاد تستطيع أن تلتقي بأصدقائك لاختراق زمن الصمت المسرحي، تهدمت أحلام إصلاح الوضع المسرحي داخل الجامعة الوطنية لمسرح الهواة، وانتهت فيدرالية مسرح الهواة إلى مجرد طيف جميل(الفيدرالية أسستها جمعيات مسرحية من الدار البيضاء معلنة استقلال قرارها عن الجامعة الوطنية لمسرح الهواة)، بعد أن انصرف كل واحد إما إلى حياته الخاصة أو إلى مسرح يعاود به مصالحة رئيس الجامعة/ مالكها .

دور الشباب صارت أضيق أمام ممارسة مسرحية تتجاوز أفق الهواية، فالزمن الممكن لإنجاز العمل المسرحي لا يناسب البتة لا التفكير المسرحي ولا يسمح مكانه باي فرص للتأمل والتجريب العملي.

الأحلام بدأت تتسع قليلا، وتنزاح عن طريقها المعتاد، وابتدأ الاطمئنان يتراخى ويختفي ..والقلق يشتد…

تنحشر أنت (أنا) في المكان الضيق من متطلبات العيش  …

تسلم بالهزائم الصغيرة غير مدرك أن الهزائم الصغيرة تصنع الهزيمة الكبيرة…

تنحني من غير رغبة للسلطات المختلفة…

تقبل الصدقة والرأفة وتمنح مقابلهما صمتك وغض البصر عما يجري في المجتمع … وتتفلسف كأي حمار نافق يتغنى بالحياة عن طريق رائحة الجثة الكريهة…

مثلك في هذا مثل ما يدور في الوطن ومن يدير الوطن…صرخات تموت قبل أن تصل مدى الصدى…..

ومن غير انتظار . من غير توقع يملأ الجو بخور الجنازات …

مات الملك…

أحسست لحظتها أن الموت أكبر وأقوى وأكثر تجبرا…

زمن من الوهم تبدد …

خيم الحزن المشوب بأسئلة الشك …

وتسمرنا في أركان المقاهي نفاجئ أنفسنا باكتشافات جديدة.

لا شيء خالد ولا شيء قوي …

نسبي كل شيء. ما اعتقدناه راسخا كالجبال تكشف عن ضعف بشري … انهار في لحظة مثل جدار برلين وعقائدنا الكبيرة.

ليس تمة إيديولوجيا تصير وطنا .

بسرعة تتغير معطيات اللحظة … كأن أحدا جر الغطاء على جثث الوقت. بدأت السياسة تحفر أخدودها.

كنا قبل أن يموت الملك الحسن الثاني نعيش على اسئلة مصالحة المعارضة مع نظام شكل اتجاه حروبنا المعلنة والسرية.

وفجأة مات الملك .فهل تغيرت أسئلة المسرح؟

سؤال المسرح لم يعد ممكنا منذ تكشفت المناظرة الوطنية للمسرح الاحترافي عن صفحات بيضاء وأقلام وآلات حاسبة.

سؤال لم يعد ممكنا منذ المناظرة الوطنية لمسرح الهواة وهزيمتنا أمام وزارة الشبيبة والرياضة بتواطئها المكشوف مع رئيس الجامعة الوطنية لمسرح الهواة…

حتى المعهد العالي للتكوين المسرحي والتنشيط الثقافي (وقتها) كان قد أتقن تغذية أمة العاطلين، ففر من استطاع نحو الغرب التماسا لفرص تكوين أخرى وعمل … وتدحرج البعض في دهاليز المهرجان الوطني لمسرح الهواة… والقلة من استطاعت أن تجد منافذ نحو دراما التلفزيون أو السينما في حبوها الوئيد.

لذا كان قرار الدعم المسرحي والفرق الجهوية جرعة أكسجين (ابتداء من 1998 ) . تحركت جثثنا بما بقي فيها من قوة لتأخذ منه نفسا.

لم أكن لأقوى في عهد القامات الكبيرة والقرابات أن أستفيد من نفس واحد.

لكن الأساسي أن ممكنا قد بزغ ، جرعة أمل …

في فبراير ، خلال الموسم المسرحي 1999 / 2000، سافرت إلى بروكسيل بدعوة من المخرج المسرحي المغربي المقيم ببلجيكا رحيم العسري ، لأشارك ممثلا ومغنيا في مسرحية الساعة والصحراء عن رواية ما تبقى لكم لغسان كنفاني رفقة الممثل والمخرج نعيم أبو النصر من فلسطين ولبنى أزبال وبرونو ماران وبيير رونو وستيفان بيسو.

هل كنت في حاجة إلى مناخ جديد لأجيب عن أسئلتي القديمة ؟ هل كنت في حاجة إلى هذه التجربة لأعيد اكتشاف المسرح ؟.

لم أجد الممثلين منشغلين بمعنى المسرح وبالحديث فيه لأنهم منشغلون بإنجازه . وهم هنا يعملون، عمل تحدده عقود واضحة، تقيد من أدوارهم(وظائفهم) داخل فضاء الإنتاج كأدوات وأجساد معارة.

يتحدد دور الممثل في ما يحتاجه العرض في خطابه العام الفكري والجمالي والمعرفي ، لا ما يبتغيه هو. والممثل لا يستبق كل شيء ليخرج نفسه مستغرقا تفكيره في رسم صورته ، بل البحث في شرط تحقق رؤية المخرج .

يشترط فعل التمثيل أن يؤمن الممثل أن الشخصية / الكلام  / الفعل محكوم بمنطق خاص يتغذى على ذاته لاحتياجات خاصة، وهو بهذا ليس ذاته حتى في أقصى حالات حضوره الواعي.

الوقت مقدس، وليس هناك هوامش لتضييع الجهد … مباشرة تناول الفطور ثم الاستعداد لبدء التداريب …

يستمع الجميع لتوجيهات المخرج ليوضح مستجدا ، أو مجيبا عن أسئلة طارئة من ممثل أو ممثلة، أو باسطا جدول العمل اليومي…

ويتوجه الجميع لعمله وفق المحدد له. عالم لم أألفه … ففي المسرح الذي عشته / كان الجميع ينتظر الجميع … في كل شيء. وللجميع مبررات تأخره ، ودائما الذنب يقع على الآخر…ولا تخلو اللحظات الأولى – عندنا –  من مناوشات أو مناقشات جانبية، او تصريف كلام بنكت عارية. لم يكن للوقت كثير أهمية، رغم ندرة الوقت المتاح أمامنا. ولا كان متاحا أمامنا المكان، فالمسرح في كل الوطن كان على هامش كل شيء رغم انه – زمنها – عند صانعيه وجمهوره هو كل شيء.

في بلجيكا، المكان مسرح موقوف على فرقة لمدة زمنية متعاقد حولها. جميع مرافق المسرح متاحة لها، وهو ما يمكن من نشوء حياة حقيقية بين جميع مكونات العمل المسرحي، ويتيح فرصا للتجريب والاختبار.

هناك، لم يكن أحد يبحث عن نكتة ليلقيها في وجه جمهور مستعد أن يضحك على كل شيء وعلى لا شيء، فالمهم عند صانعي عرض الساعة والصحراء هو قضية المسرحية من جهة (الخطاب المسرحي ) وإبداعية الشكل وجمالية الأداء. في جملة : كان الهاجس عند المجموعة هو الطقس المسرحي بقداسته، والانخراط في أجواء روحانيته، والعيش في داخله. ولعل إحدى الصور التي كانت معبرة هو اكتشافي لممثلين يعيشون كمتصوفة ويزهدون في الحواشي ولا يهتمون بالزوائد. صورة الممثل الحقيقية ليس هي ما يثيره من اهتمام بشخصه، بل بوظيفته داخل نسيج العمل المسرحي.

قد يكون السبب هو الفارق في الفضاء الذي يولدون فيه وينمون. فضاء مليء مسرحيا بالتاريخ، ومليء إبداعيا بالعلم… فسلسلات التاريخ المسرحي والحياة المسرحية متينة في ارتباط حلقاتها حتى في أكثر القطائع بينها. أما هنا، فنحن نكتشف الفن عرضا، ونقتحمه صدفة ونتعلمه بجهد أكتافنا، ونحمله عليها. نتعلم صوابه عن طريق ممارسة الخطأ فيه.

تعلمنا المسرح عن طريق المشاهدة، ومن خلال الكتب والمجلات القليلة التي كانت تتيحها حياة النشر القاحلة آنذاك. فقد اكتشفنا أشكال المسرح العديدة من خلال كتابات واصفة، وجذبنا إليها أكثر، صوتها السياسي العالي، ونبرتها القومجية. ومارسنا ، من خلال ذلك، مسرحا صورته هو صدى الإدراك والتمثل.

وبالطبع، استطعنا في هذه الأجواء، أن ننتج تنظيرات مسرحية ، وأن يتجرأ – الأكثر معرفة من بيننا – أن ينتج نظرية، وكان لأكثرنا شغبه السياسي، أن يرفض أي تنظير مسرحي لغيره…

وبالرغم من الاتفاق أو الاختلاف مع هذه التنظيرات المسرحية، فإن الأساسي فيها أن سؤال المسرح بدأ ينزاح عن مضمونه نحو شكله، ويبتعد عن اجترار أشكاله التقليدية ، نحو التجديد والتجريب. وقفز سؤال فعل الممثل من التمثيل إلى الأداء، والصورة المسرحية من الفوتغرافية إلى البلاغية .

لكن هذا الانزياح لم يخلف أثرا واضحا في اتجاه الفعل المسرحي، لقد ساد حولنا مسرح ثقافي، تاركا مساحة الهيمنة على الجمهور لمسرح شعبوي وتنفيسي، يكرس من أبعاد المسرح بعده الترفيهي.

في أواخر التسعينات من القرن الماضي، بدأ انقلاب داخلي، من مسرح يعلي من شأن الكلمة والفعل إلى مسرح يتوخى الاقتراب من جمهوره، ومن مسرح يسكن إلى النخبة في وجودها المخملي، إلى مسرح يبحث عن “شعبه”. وقد كانت أداة ذلك، البحث عن النجم وصناعته، واستثمار صورته، لاستقطاب الجمهور “العريض”.

ولأن وعينا ليس مثل الجوارب يمكن استبداله بذات السرعة، ولأن التغير ليس مجرد قرار، فقد تحركت خطوط الاتجاه تتضح تدريجيا، بدءا من مسرحية ترانزيت إلى مسرحية أوسويفان، ورغم  محاولة الحفاظ في الصناعة على  شروط المسرح والمسرحة، إلا أني انتهيت إلى انهيار المسرح وسؤاله.

إن افتراض أن النجم (نجم الدراما) شرط نجاح المسرح وجماهيريته، هو وهم كبير، وبخاصة إذا كان النجم من النوع النرجسي، والذي ،مع الزمن، يحاول أن يصير هو بذاته المسرح وهو بذاته شخصياته ومخرجاتها.

ففي نذره النجوم المؤمنين بأن المسرح عالم من البحث والإبداع، فإن المخرجين قد يتحولون إلى أسماء تنظم العرض ولا تصنعه، وبخاصة ، إذا وجدت نفسك أمام “نجوم”، يحلمون بمسرحية لا يكف فيها الجمهور عن الضحك، وتبعا لذلك فهو يحول حتى أكثر التراجيديات والكوميديات سموا إلى مجرد مساحة للنكث والتهريج.

منذ 2001 إلى قبل 2014 ، عشت زمنا كثرت فيه جوائزي/ من إخراج إلى تمثيل إلى جائزة كبرى، وكنت من أسماء الدعم المسرحي المدللين، وهو أمر لا أستطيع تفسيره، هل لأني كنت أدير فرقة تحترم خياراتها الجمالية، ولا تسقط في القاتل من الأخطاء في الفن وخارجه ؟ ، ربما ، هل لأني  لم أعد أشاغب إلا قليلا ، و بأدب كبير شغبا لا ضرر فيه؟ … هل لأن ضروري أن تشكل تجربة الدعم حاضنا للتجارب المختلفة، سواء المستجدة أو المحمولة على نوستالجيا الزمن الحزين.؟

لأن التجربة المسرحية التي خضتها إلى حدود سنة 2007 ، كانت محاولة حقيقية لمسرح ممكن لجميع فئات التلقي، لا يفرط في خطاب يرفض الظلم الاجتماعي ، ويحافظ على وظيفة جمالية معرفية للمسرح ؟ وهل من الضروري أن يكون مسرح الواحد منا هو المسرح الحقيقي والوحيد.

الأهم من السؤال هو السؤال ذاته. الإجابات دائما هي احتمالات.

وبدلا من الجواب المطمئن أمام سؤال مستفزـ أفضل دائما أن أتذكر :

المسرح حياة لا يمكن قطعها عن حياتك في مجتمعك… هو أنت وفق ما تعتقد، لا تشبه فيه غيرك ولن تشبه فيه نفسك.

المسرح انطلاق، وأنت فيه أنت – كما المبدعون الذين يعيشون معك… لا يمكن أن تتميز عنهم لأن المجال ليس معركة تميز.

مسرحك أسلوب تعبيرك، وأسلوبك ليس بالضرورة الأفضل… الشرط الوحيد هو أن تصنعه بحرفية وليس لاحترافية.

لست المطلق، ولا قائد وحدات في معركة الإبداع،. الإبداع حب، فليكن أفقك متسع للمختلف فيه عنك أفسح مكانة.

أنت حامل رسالة، لكنها ليست كل رسالة هي حق في مطلقها.

بوسرحان الزيتوني / مخرج مسرحي / المغرب

ألمقالات ذات الصلة

Leave a Comment