الرامود، ومتاهات الخوف للمخرج بوسرحان الزيتوني / الباحث المسرحي محمد سيف

الرامود، ومتاهات الخوف للمخرج بوسرحان الزيتوني

الباحث المسرحي محمد سيف /باريس

كتبت هذه الدراسة يناير  2018

 

 

 

إن الرامود، من معناه غير الواضح والمحدد، على الأقل في بداية العرض، ينبئ بما هو غامض، وغير متوقع، ويلجأ الى الاستعارة، ويعتمد الإيحاء القوي وليس الشرح والتفصيل، ويكاد أن يكون مراوغا بشكل كلي، ربما لأنه يتحدث عن الخوف المجهول، الخالي من الملامح، والتأويل الخيالي الذي يتخلل القصص والاقاويل المتداولة بين الناس، للتأكيد على معرفتهم بها، ولقتل الخوف الذي يعتريهم من جرائه، على الرغم من جهلهم بحقيقته. لم يكن العرض، في البداية سوى اعدادا لما سيتم اكتشافه لاحقا، غير متوقع، على الرغم من ضبط النفس البادي على الحارسين اللذان يقودان اللعبة المسرحية بكل قلق واسترخاء. وإن جميع الالتفافات التي بنتها الجمل والحركات والوضعيات الجميلة التي هيكلتها مخيلة المخرج وجسدتها مرونة حركات الممثلين (جواد العلمي في دور الراضي، وعبد اللطيف خمولي بدور رضوان) في تتابعها، شكلت وسيلة للاقتراب من النقطة التي ستنفجر فيها الحقيقية المدوية فيما بعد، وطريقة للبقاء بعيدا عنها في ذات الوقت. لقد كان كل شيء يعمل على اخفائها، وخاصة انها لم يكن من الممكن النطق بها، لأنه وبكل بساطة، لم تكن هناك آذان تسمعها أو تصدق بها. ومهما حاولا الحارسان نسيان قدرهما المركون في هذا العراء، بالغناء والضحك وحتى الرقص أحيانا، يهاجمهما خوفهما على غفلة منهما، فيعكر عليهما صفو سمرهما الذي ينشدان من خلاله نسيان ثقل الزمن ومروره البطيء. وكلما تم ذكر اسم الرامود، كلما تلاشى ضحكهما ومرحهما وحل محله الخوف الذي يقطع النفس والصوت أحيانا، فيلجئان الى الهمس خشية ان يسمعهما، او الصمت والنظر في جميع الجهات، ولكن مثل اعمى لا يرى شيئا ومع ذلك يحاول ايهام المقابل بأنه يراه، فهو بالنسبة لهما، هنا أو هناك مختبئ في زاوية ما من زوايا هذه الطبيعة الجرداء التي استنبتا فيها عنوة، مثل قدر لا يشبه بقية الاقدار. فكل شيء مضبب هنا، الرؤية، التفكير، السكون، الليل الدامس، أصوات الطبيعة، حركة الحيوانات البعيدة التي تصبح قريبة من حين لآخر ثم تبتعد، وكل هذا يترجم من خلال خوفهما الذي صار يؤول الأشياء ويتخيلها على هواه. ومع ذلك فهما ينتظران مثل جنديان على حدود جبهة لا تريد ان تندلع الحرب فيها، لا سيما ان الانتظار ضرب من العبث الحقيقي الخالص، خاصة عندما يكون الشيء المنتظر لا وجود له أصلا، لا معنى ، ولا هيئة؛ اذن، فهما ينتظران مجيئه بنوع من العبث، ولكن ليس كما ينتظر ” استراغون و فلاديمير” مجيء “غودو” في مسرحية ـ”صموئيل بيكيت”،  فلدى هاذين الاخران كان هنالك امل، في حين أن لدى ” رضوان والراضي” لا شيء سوى الخوف والضباب الذي يحجب الرؤيا، والحقيقة، وتضاريس الأرض. وهذا ما يترجمه المخرج في نهاية الجزء الأول من المسرحية عندما يملئ المسرح بالضباب فتتعذر الرؤية، على انغام اغنية “علاش حالي ما يشبه الحال، واش ما بقا للحال فين يتحال، وضو النهار زايد يكحال، يالحال أرفق بيا….. “”، من الحان وغناء “عبد الفتاح نكادي”.. ومردّ كل هذا، ان الانتظار بحد ذاته عبث خالص لا تشوبه شائبة، خاصة عندما.

في كتابة ” المسكيني الصغير” للنص، كان هناك خليط دقيق من الكآبة والفكاهة والسياسة، التي عززها المخرج ” بوسرحان الزيتوني” بخلق مسافة ما بيننا وبينها من اجل ان يسمح بالوصول الى عمق الموضوع دون ثقل او ترهل. فعلى الرغم من مأساة وتعاسة هاذان الحارسان المبعدان عن العالم، وكأنهما يسكنان على حافة الكرة الأرضية، كانت هناك رشاقة وظرافة واناقة جعلتنا نشعر بالراحة والاطمئنان والتآلف معهما. ربما لان المخرج اعتمد لغة اخراجية معاصرة، بسيطة وممتنعة، خالية من الادعاء، والتعقيد والترميز المبهم والديكور المثقل بالطلاسم والتقنيات الرقمية التي صارت اليوم، سائدة على خشبات مسارحنا بسبب او من غير سبب، وربما أيضا لأن الممثلين “جواد العلمي، وعبد اللطيف خمولي”، كانا بارعان في ادائهما حد الاقناع. لقد اعتمد المخرج في تصوره الإخراجي، على لغة مسرحية مكثفة تنتمي الى تقاليد مسرحية فكرية عريقة، لن تمنح نفسها بسهولة ولكنها مع ذلك، كانت قابلة للوصول الى الجميع، وهنا يكمن السحر. إن فكرة الصراع الذي يمكن ان يعبر عن نفسه من خلال اللغة المكثفة والحركة المقتضبة، تثير دهشتنا، لا سيما انها تحارب بهذه الطريقة الافقار المعجمي للغة المسرحية نفسها التي أصبحت مجرد أداة اتصال. ثم اليس المسرح هو حركة وكلمة وفضاء لا بد من ملئه ؟

  • في المسرحية

الرامود شخصية غائبة غير موجودة على الخشبة، لا نراها إلا من خلال الخوف والتوجس، نسمع بها في كل مكان من العرض من خلال ما ستصبح عليه في احداث هذا العمل الدرامي؛ جعلتنا نكون شاهدين، على القلق، الطموح، الغيرة، العنف، المعاناة، وتمزق هذين الحارسين اللذين يتساءلان عن مصيرهما ومصير اهاليهما، ولكن ليس على طريقة “هاملت” وإنما كناس بسطاء سوف يلتهمهم الجوع ان لم يطيعوا اوامر ” مولى الشي”؛ نشهد دوامة حركة ذهابهما وإيابهما بين مكان المراقبة وحياتهما التي تركاها هناك خلف تلال الرمال، تنبت مثل اعشاب برية: رضوان: اللي مقلقني هو امراتي مسكينة خليتها قريبه تولد…واحلا في راسها (صمت) باغي نشوف ولدي اجديد ونفرح بيه..(صمت) حيت قالت ليا مو راني مواحمة عليك..محطوط منصوب..في لعينين والنيف والفم”[1]،  فالذي يخافان منه لا يعرفانه ولم يشاهدانه ولم يتعرفان عليه بشكل مادي، إلا من خلال القصص والخرافات التي يلوكها الناس فيما بينهم: ” رضوان : الرامود الرامود  من نهار غرسوني هنا وانا باغي نشوفو أنا باغي نشوفو كيف داير…غليظ ..رقيق طويل ولا قصير…اصمك ولا زيزون.. آش لونو ” [2]، ولهذا فهما يشعران بالخوف منه، من صوت الريح، من هزيع الليل، من حوافر الخيل التي تعبر الصحراء؛ يتنقلان من مكان الى اخر، متخبطين بخوفهما من هذا الذي لا يعرفان له شكلا ولا صوتا، يلهجان بأسئلة لا يجدا لها أجوبة، بسبب التشويش، القيل والقال، وسجونهما الذاتية، والشرطي اليقظ الذي يعشش داخل كل منهما. دوامة الخوف هذه لا تنتهي، فهي مرة تكون خارجية وثانية داخلية، زائد إلى الارهاق النفسي والجسدي الذي يعتريهما، فهما لا يناما كما ينام باقي الناس، وان حدث ونام احدهما واخذته غفوة عميقة، يوقظه صاحبه عنوة، ربما لأنه لا يريد ان يبقى وحيدا، او ربما لأن عليه ان يمارس سلطة الشرطي المؤتمر بأوامر “مولى الشي”، لا سيما أن مستقبلهما ومستقبل عوائلهما مرهون بنتائج افعالهما ومصيرهما: الراضي: عرفونا محتاجين للمونه… قلة الشي صعيبه… خلاتني نقبل نعس معاك واخا ماكنعرفكش”[3]. قالوا لهما ان عدوهما خارجي، غريب سيحاول تدمير مدينتهما، إن أغمضا عيونهما، في حين انه يعشش في داخلهما، في حقيقة الامر،  في ذواتهما، وفي أعماق منعطفات حياتهما الاجتماعية والسياسية. ولهذا فهما لا يعرفا في أي اتجاه يصوبان بنادقهما، التي تشهر مثل السيف كلما شعرا بالخوف والتهديد، مرة نحو الفراغ الذي يحيط بهما، وأخرى نحو ليل الصحراء الذي يحمل الكثير من الأصوات المبهمة، وثالثة نحو بعضهما البعض، أو نحو هذا الذي يتسلل خلسة الى عزلتهما الذي أدى دوره الفنان “عبد الحق صالح”. تخبط ووهم يشبه الى حد كبير فارس الحروب الوهمية للطواحين الهوائية “دون كيشوت”. هذا ما كان يمارسه حارسا عرضنا المسرحي من طقوس يومية.

إذن، نحن في حضرت الوهم والدجل والتخريب السياسي، الذي ينخر المجتمع من الداخل، مثل حشرة الرامود التي يحمل اسمها العرض، هذه “السوسة”، التي تستوطن قلب ” البازلاء او الجلبانة”، والمعروفة بتكاثرها الهجومي السريع والمخرب. وهذا يعني ان مصدر خوف الحارسين، “رضوان والراضي” ليس واحدا، أو شخصا وإنما اشخاص او ربما كائنات خرافية قادرة ان تلتهم الارض وما عليها، من بشر وهواء، وطير وشجر وحيوان. وهذه الاستعارة كافية لكي تلقي بنا في أحضان المسرح السياسي، ولكن مع ذلك، فالسياسة في هذا العمل، بالنسبة للمخرج بوسرحان، ليس سوى عنصر من عناصر الخطاب المسرحي، الذي يقيم دائما مسافة بين الواقع والخطاب المعبر عنه وفقا لجدلية الفن، وهذا بحد ذاته ما يفرض بتبعاته على جمالية التلقي وتأويلاتها التي لا يمكن حصرها في زاوية واحدة، أو اتجاه واحد، كما أنه لا يفرض معنى معينا عليه، وإنما يقوم بعملية الاقتراح والايحاء، وبهذه الطريقة يصبح الخطاب المسرحي في عرض ” الرامود” متعددا وتتضاعف صوره، وفقا لاختلاف النص وحمولاته الفكرية ورؤية المخرج وتصوراته الجمالية، وتنوع المتلقي نفسه الذي يقوم بدوره بوضع دلالاته في مستويات عدة بعد منحها ابعادا واقعية حية، أو غير ذلك. ثم حتى لو اننا صنفنا عرض بوسرحان الزيتوني بالسياسي، فإنه حتما سوف لا ينتمي الى مسرح بسكاتور، لأنه اقرب في تطلعه الى مسرح “بريشت” . وبما أن كلمة (السياسة Politique)، مشتقة من اللغة الإغريقية (Polis)، وتعني المدينة، إذن فإن كل مسرح ينضوي داخل مجتمع، فهو بالضرورة سياسي. أي أن هذه الكلمة، تشير إلى العلاقة بين الفرد، والقوة، والسلطة والقانون، مثلما تشير إلى اختيار الفرد ما بين الخضوع والفعل. ويتعزز هذا الجانب السياسي، بشكل اكثر، وتتضح معالمه، مع دخول الشخصية الثالثة، هذا الدخول المفاجئ، والمربك في ذات الوقت، لاعتقاد الحارسين، في بداية الامر، بانه الرامود الذي ينتظرا وصوله منذ زمن، ولكنهما سرعان ما يكتشفان، انهما على خطأ، لأن صاحبنا هو أيضا ضحية من ضحايا الوهم  العربي، وشخصية لا زالت تتشبث بالتاريخ القديم وقصائده البطولية السلفية التي لازلنا نتمسك بها لتبرير وجودنا الضائع، وإنقاذ ما ضاع من القيم ولو بشكل مؤقت. إنه يحمل اسمان، في آن واحد، الاسم الأول “العربي” ويشير الى العروبة القبلية التي عفا عليها الزمان، التي اعتقدنا انها تركت لنا، ذات يوم، زمنا جميلا مليئا بالبطولات والشواهد، لكننا اكتشفنا بعد خيبات لاتعد ولا تحصى، ترك لنا أزمنة خربة وبلدانا منخورة من الداخل ومتداعية من الخارج. وإن الأفكار التي تبنيناها ودافعنا عنها، كانت خاطئة وسلفية ولم تعد علينا إلا بالدمار والهزائم، والحروب الطائفية والدينية، وكانت كلها بعيدة كل البعد عن رياح الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي، الذي كنا نحلم به عندما كنا شبابا يافعين نصبوا لغد جديد، والاسم الثاني “محمود”، الشاب الطموح الذي يحلم مثل جميع شباب الوقت الحاضر، بالتغيير وبالربيع العربي الذي  للأسف لم تتبلور تجربته بالشكل الذي كان يمكن أن يكون، فبات مثل اللغو والانشاء ورفع شعارات لا طائل من ورائها. ولكن، المفارقة الساخرة من لغة البطولة الزائفة هذه، أن العربي/ محمود، يدخل حاملا سيفا خشبيا، يليق بلعب الأطفال في الازقة والحارات، وليس بالمعارك التي صارت اليوم تخضع لمنطق التكنولوجية الحديثة، والازار الاليكترونية التي تطلق جحيمها على البشر من أعالي السماء مثل مطر أسود. وهنا نظم رأينا الى رأي الدكتور “محمد لعزيز”، دراماتورج العمل، الذي يقول: ” ان المسرحية كما قدمها مخرجها، تزاوج بين عالمين متناقضين، أو لنقل إنها تمتد على طرفي مسافة زمنية تعد السخرية طرفها الأول، ويعد الرعب طرفها المقابل، وبين هذين الطرفين تنهض عوالم شتى هي نفسها عوالم الإنسان المقهور، والاستغلال البشع، والجوع، والغناء والندب والمناحات، وغير ذلك كثير مما تنضح به الحياة في المسرحية كما في واقعنا العربي عموما والمغربي منه على الخصوص. وعلى الرغم من أن طرفي هذا الواقع: السخرية والرعب، يبدوان متنافران ومتباعدان، إلا أن المسرحية تقدم الواحد وكأنه امتداد للثاني” [4].

  • وقفة موجزة

ظهر المسرح السياسي في بعض البلدان للتعبير عن المعارضة. ولقد كان له رواد قبل القرن العشرين، كما هو الحال، في المأساة اليونانية، في القرن الخامس قبل الميلاد، وشكسبير في القرن السابع عشر، وكذلك في فرنسا، لا سيما، إن مسرحية (زواج فيغاروا)، تسببت في أحداث اضطرابات في الأوساط الأرستقراطية الباريسية، في ذلك الوقت. ولكنه، قد أخذ أهميته الكبرى، في أوربا الشرقية، وفي البلدان المضطهدة والأكثر احتجاجا. وتعود تسمية المسرح السياسي إلى بسكاتور، الذي لخص في كتابه (المسرح السياسي)، عدة تجارب مسرحية بين عام 20 – 1929، في ظل جمهورية فايمار[5]، مؤكدا من خلالها على أهمية المسرح الثوري الذي لا بد أن يتخلى عن الأشكال المسرحية الموروثة، وعلى ضرورة إيجاد آلية مسرحية جديدة تعبر عن هموم ومعاناة الطبقة الكادحة، والأخذ بعين الاعتبار بالعلاقة العضوية بين المسرح والتغير الثقافي والفكري والسياسي في المجتمع. ويتخذ بسكاتور من السياسة مادة وموضوعا لمسرحه ويعتبرها الوسيلة الفريدة القادرة على قيادة الصراعات وجعلها مركز الحياة الاجتماعية نفسها. إنه يبحث من خلال المسرح على إعطاء المتفرج الوسيلة لاتخاذ إجراءات فورية. إن هذا المفهوم يمثل الفجوة الرئيسية بين مسرح بسكاتور والمسرح السياسي المعاصر الذي لم يعد مسرحا ملحميا ولا دراميا بالمفهوم القديم، لأنه وبكل بساطة، لم يعد يطلب من المتفرج بالقيام بحل النزاعات بنفسه. في حين أن بريشت، ومن خلال مناداته بالمسرح الملحمي، يراهن على مواجهة الإنسان لمشاكل عصره، والتصدي لها، بحيث لم يعد المسرح بالنسبة له، مجرد انعكاس للواقع، بل ضرورة لتغييره، (نحن لا نفهم المسرح فقط على أساس أنه مرآة للعصر وانما كوسيلة لتحويله)[6]. وهنا يكمن الاختلاف بين  بريشت وبسكاتور الذي كان يتمنى دفع المتفرج إلى القيام بفعل ما، في حين أن بريشت يرغب في توفير الأدوات اللازمة للمتفرج لبناء أفكاره، ومن هنا يستمد النص في تجربة بوسرحان الزيتوني المسرحية أهميته الشعرية والدرامية. فالمسرح بالنسبة له هو مسرح، حركة وحوار وممثل وفضاء ومتفرج، يحسسنا دائما وابدا بأنه عالم  خيالي معاش متفق عليه مسبقا بين فريق العمل والمتفرج، ولهذا لجأ الى حلول سينوغرافيه مسرحية مجردة تقريبا. ففي مسرحية الرامود، يبني المخرج مسرحا فوق مسرح، أي قطع خشبية بارتفاعات مختلفة، مغطاة بقماش أسود فوق الخشبة، محاولا حصر حركة ممثليه فوقها او حولها، قطع خشبية مستطيلة تحتوي على مدرجات، تشير بشكل مجرد، الى بوابة المدينة البعيدة، المطلة على نهاية العالم على الأقل بالنسبة للحارسين. وقماش اسود يزيد من وحشة المكان ويبعث في ذات الوقت على الخوف.

كان المخرج يبحث من خلال هذا العرض، عن التماسك، وعن عملية توليف الفنون الغنائية، والموسيقية والتمثيل التراجوكوميك، من خلال حالات الشكوى، والألم، واليأس، الذي سلط عليها الضوء، وحاكها الديكور، والازياء، في قصة واحدة. وقد اشتغل المخرج مع الممثلين بنفس الطريقة التي اشتغل فيها مع الموسيقى، والغناء الذي شكل محطات للعرض بين البداية والوسط والنهاية، واشار إلى دلالات فكرية، اشتملت على الوعظ والتحذير والتحريض، من خلال بحثه عن الجرس الصوتي، ومكانته، وايقاعه ووقعه على المتلقي. وهذا بحد ذاته، ما يشير إلى مدى غرام، وتعلق المخرج بصوت الكلمات وأثرها، وقدرتها على التفجر في الفضاء، وكذلك الصمت الممتلئ، الذي يقول كل شيء من خلال اللا كلام. أما السينوغرافيا، التي قام بإخراجها الفنان غانجو، فقد كانت عارية تقريبا، ومتقشفة جدا، وانحصر دورها في الكثير من الاحيان، على التفريق، بين ما هو خارجي وما هو داخلي، وما هو مختبئ وخافي في قلب الأكاذيب التي صورت لهما ، ان العالم يعيش حالة تهديد خارجية، وقد تفجرت السينوغرافيا في اللحظة الأخيرة من العرض، عندما قام الحارسان بنزع الغطاء عن القطع الخشبية وقلبها وتحريكها، ليكشفا لنا عن الفراغ الذي كان جاثما على صدريهما وصدور الناس، ولكي يعريا الكذب والخداع الداخلي الذي كان يهدد احلامهما. فهما كان يحاربان  طواحين هوائية وليس عدوا شريرا قادما من الخارج.

كان اللون الأسود يهيمن على العالم الذي تعيش فيه الشخصيات ووحشتها. وقد لعب الضوء دورا كبيرا في ابراز الشخصيات ومنتجتها، من خلال المساقط التي ركزت عليهما بشكل مكثف لدرجة العزل. أما ازياء العرض جاءت قريبة من الواقع الاجتماعي الذي تنتمي اليه، وكان فيها بحث واضح في مفردات الثقافة المغربية، وجزء من جماليتها، ولكن مع بعض قلق الحداثة. ومن ملاحظاتنا عن العرض ايضا، ان المخرج بوسرحان الزيتوني، كان حذرا في تعامله مع الفلكلور، فالفلكلور، مثلما نعلم،  ذو وجهين، من جهة هو تقليدي وتراثي ومفيد للرؤية الاخراجية، ومن جهة أخرى، عادي ويشوه الثقافة، ويحيلها إلى كليشيهات. لهذا حاول المخرج وفريق عمله أن يذهبوا إلى عمق المجتمع المغربي للبحث عن اصل الجمال الثقافي والمعرفي.

[1] – انص الرامود، المسكيني الصغير.

[2] – نفس المصدر السابق.

[3] – المصدر نفسه.

[4] – محمد لعزيز، مسرحية الرامود، نشر في بيان اليوم 17 – 12 – 2017.

[5] – جمهورية فايمار بالألمانية (Weimarer Republik): هي الجمهورية التي نشأت في المانيا في الفترة من 1919 إلى 1933 كنتيجة الحرب العالمية الأولى وخسارة ألمانيا الحرب. سميت الجمهورية الناشئة باسم مدينة فايمار الواقعة بوسط ألمانيا والتي اجتمع بها ممثلوا الشعب الألماني في العام 1919 لصياغة الدستور الجديد للجمهورية والذي اتبعته الجمهورية حتى العام 1933 حين تمكن الزعيم النازي أدولف هتلر من إحكام سيطرته على مقاليد الحكم في برلين بعد توليه منصبي المستشارية ورئاسة الجمهورية. اعتبر المؤرخون هذا الحدث نهاية جمهورية فايمار (ويكيبيديا.

[6] Brecht, B., « La dialectique et le théâtre », Ecrits sur le théâtre, II, L’Arche, Paris, 1979, p. 421.

ألمقالات ذات الصلة

Leave a Comment