طنجة المشهدية في دورتها 15 تصدر كتاب : قراءات في المشهد المسرحي المغربي لد.محمد سيف

طنجة المشهدية في دورتها 15 تصدر كتاب : قراءات في المشهد المسرحي المغربي لد.محمد سيف

تقديم :

تغني طنجة المشهدية – والذي يبدع في تنظيمها المركز الدولي لدرسة الفرجي بإدرة الدكتور خالد أمين -المكتبة المسرحية بكتاب جدبد للد.محمد سيف يتناول المشهد المسرحي المغربي يسرنا في مساحات أن نتقاسم مع القارىء المقدمة الهامة التي كتبها المسرحي محمد بهجاجي تحت عنوان : قراءات محمد سيف تبني أفقا جديدا للإبداع على امل أن نعود لهذا الكتاب ضمن توقيعه بطنجة المشهدية. ينشر هذا المقال باستشارة مع المؤلف.

حين التقيت الدكتور محمد سيف لأول مرة أحسست كما لو كنا معا على سفر معرفي قديم. حدث ذلك سنة 2012 بأروقة الندوة الدولية التي نظمتها جامعة ابن زهر بمدينة أكادير حول موضوع “شعرية الفرجة”. بادرني بالحديث عن بعض كتاباتي، وعن مواد الملحق الثقافي لجريدة “الاتحاد الاشتراكي” الذي كنت أشرف عليه، فيما ذكرته بأصداء أنشطته وكتاباته منذ تألق اسمه ببلاد الرافدين إلى حين انتقاله إلى الديار الفرنسية. كما أثرت معه على نحو خاص موضوع مسرحته لرواية “الزوج الأبدي” للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، والتي نشرها في كتاب صدر بالاسم ذاته عن دار جلجامش في باريس سنة 1996، وترجمته لكتاب بيتر بروك “الشيطان هو الضجر”، الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة سنة 2006.

كنا إذن أصحاب رفقة وطدتها لاحقا صيغه السلسة في نسج الصداقات، ومحبته للمغرب الذي صار بلده الثاني، وقراءاته للإبداع المغربي، وأساسا حضوره المواظب وإسهامه في فعاليات مهرجان طنجة المشهدية التي ينظمها المركز الدولي لدراسات الفرجة سنويا بإدارة الدكتور خالد أمين. وأعتقد أن فكرة الكتاب الذي أتشرف اليوم بتقديمه كانت قد انبثقت من داخل تلك المشهدية بعد أن سمحت له بالتعرف عن كثب على المسرحيين المغاربة وأعمالهم.

الملفت للنظر أن المصادفات قد جعلت ذلك التعرف يتم في الوقت الذي كان فيه فعل قراءة المسرح المغربي يعرف انحسارا نسبيا. هنا برز لي ما يمكن أن نعتبره أحد حظوظ المسرح المغربي خلال السنوات العشر الأخيرة. وقد تعزز هذا الحظ باعتبار سيف يتحرك داخل خرائط الإبداع المسرحي العربي بقبعات متعددة: كتابة نصوص المسرح والتمثيل والإخراج، وممارسة البحث الأكاديمي، ونقد زملائه مناقشا ما يستجد على صعيد نظريات المسرح، ومساهما في تأصيل المفاهيم الجديدة، وفي تجديد النظر إلى الإبداع.

ولقد كان من ثمار ذلك التعدد إثراء الخزانة المسرحية العربية بعدد من المؤلفات التي  تشبه صاحبها تماما حيث تتقاطع المعرفة النظرية مع الخبرة الميدانية، فبالإضافة إلى أعماله المسرحية المنشورة أو المعروضة على الخشبات، نذكر على نحو خاص مؤلفاته: “المسرح والتعبير المسرحي لدى الطفل”، عن دار سحر بتونس سنة 2002، و”أفكار وتطبيقات مسرحية تعارض التقاليد” عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة سنة 2013 و”دراماتورجيا العمل المسرحي والمتفرج”، (مشترك مع د. خالد أمين) عن المركز الدولي لدراسات الفرجة سنة 2014، وترجمته لكتاب “بنسياننا شكسبير يمكن العثور عليه ثانية” لبيتر بروك وعن بروك، عن دار عدنان ببغداد سنة 2010، ثم ترجمة وتقديم “شعرية الجسد” لجاك لوكوك، عن مؤسسة الصادق الثقافية ببغداد سنة 2018…

مسرحية صباح مسا

إن التنوع والتعدد في مقاربة المسرح هما ما أهلا إسهاماته النظرية والنقدية والإبداعية إلى أن تكون عملية رفيقة للإبداع، متفهمة له لأنها تقرأ الأعمال من داخل كيمياء المسرح، لا من تصورات صادرة عن مكان متعال. وذلك ذاته ما يجعل قراءاته للإبداع مرايا عاكسة لتجربته الشخصية والميدانية إذ من خلالها نقرأ تفاعله النقدي مع التراث الممتد من رصيد المسرحيين الأوائل إلى ثراء المسرح المعاصر كما تعكسه حاليا خشبات العالم العربي وفرنسا أساسا.

وبالعودة إلى هذا الإصدار نجد أن استراتيجية الكتابة كانت واضحة لدى المؤلف منذ البداية: قراءة المتن الإبداعي المسرحي في بعديه النصي والعرضي.

في مقاربة البعد الأول يقرأ سيف الأعمال التالية: “ليلة بيضاء” لبوسرحان الزيتوني، “قصر البحر” لمحمد زيطان، “الساروت”، للحسين الشعبي، “مقاطع من الحياة” لزهرة مكاش و”كاثارسيس” لمحمد بهجاجي حيث ينصت إلى نبض النصوص أولا غير مكتف فقط بتلخيص المستوى الموضوعاتي والتعليق عليه، بل إنه يقدم على تحليل النسيج النصي حيث يبرز ككثافة لغوية، وبناء حواري بين المؤلف من جهة، والمتلقي من جهة أخرى، وكذلك كتصريف لمتخيل يربط بين قضايا الذات والمحيط.

أما على مستوى قراءة البعد الثاني فيقارب الدكتور محمد سيف العروض التالية: “دموع بالكحول” و” خريف” لأسماء هوري، “شجر مر”، “في انتظار عطيل” و”طنجيتانوس” لعبد المجيد الهواس، “تيرياحين” و”صولو” لمحمد الحر”، “أوسويفان” و”الرامود” لبوسرحان الزيتوني، “نايضة” و”شابكة” لناسور أمين، “صباح ومسا” لعبد الجبار خمران، “أخذ الكلام” لمحمود الشاهدي و”كاموفلاج” لإسماعيل الوعرابي. إنه يقارب هذه العروض بما هي كيان عابر بطبيعته الهاربة في الزمن والمكان، وباعتبارها بناء أسمى ومركبا لتعدد الأنساق والمكونات، ولحاجة القراءة إلى روافد معرفية تستثمر التجدد الدائم للأفكار والمناهج.

مسرحية الرامود
مسرحية الرامود

وبهذا الخصوص ينبغي الاعتراف دائما بأن قراءة العروض ليس مهمة متيسرة إذ لا تزال على المستوى العربي والدولي تطرح العديد من الصعوبات المنهجية. من هنا فرادة ما يقترحه علينا محمد سيف إذ يضع المعرفة العلمية بمناهج تحليل المسرح تشتغل مثل جمر متقد تحت رماد لا ينفك يرسل دفئه ووميضه، يوائم بين الاستقراء والاستنباط خارج ثقل التعاطي الدوغمائي مع تلك المناهج. ثم يبدأ في مراودة نسغ المسرحيات. قد يكون المدخل عنوانا أو إرشادا مسرحيا، أو فكرة عن الموضوعة، أو إشكالية نظرية، أو شذرات من الحياة الفنية للمخرج والمؤلف. ثم يواصل التمرين القرائي إلى أن يخلص إلى ما يراه فكرته الملائمة عن العمل المقروء. إنها بالضبط سيرة عملية القراءة ومسار المقروء. إنها أيضا التعبير عن ثراء الحرية التي تمنحنا إياها الثقة بأننا حين نقرأ عملا ما فلأننا نريد أن نصوغ حوله معرفة جديدة.

مسرحية شابكة

واضح إذن أن استراتيجية الكتاب ذات الجسور والضفاف المتعددة كانت تتأسس بهدوء لتقديم فكرة عميقة عن الإبداع المسرحي الراهن، ولوضع القارئ العربي على عتبات مدارج الإنتاج المسرحي المغربي وهو يبنى أفقا جديدا للإبداع، وكذلك للاحتفاء باجتهاد المسرحيين المغاربة، ومساهمتهم في إثراء الحقل الإبداعي العربي عبر تتبع مختلف تجاربهم، سواء ما يهم مسرحة الحدث اليومي، أو محاورة التراث العربي والإنساني، أو تفكيك بلاغة الجسد، أو عبر التفاعل مع الوسائط الجديدة…

من هنا قيمة هذا الإصدار الذي يشكل في تقديري إضافة نوعية ذات مسار مزدوج: إنه يغني مناحي قراءة المسرح عبر تقديم مقترح شخصي لمقاربة الإبداع، ويصاحب في الوقت نفسه المبدعين المغاربة ليسير إلى جوارهم نحو مضاعفة المتعة بما أنتجوه على الخشبات.

محمد بهجاجي مسرحي مغربي

 

مساحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *