مسرحية التابوت : استحضار الغائب في زمن النسيان / هوامش حول دراماتوجيا شاعرة بقلم بوسرحان الزيتوني

مسرحية التابوت : استحضار الغائب في زمن النسيان / هوامش حول دراماتوجيا شاعرة بقلم بوسرحان الزيتوني

التابوت : استحضار الغائب في زمن النسيان

هوامش حول دراماتوجيا شاعرة

عرضت المسرحية بمسرح سيدي بليوط يوم 14 نوفمبر 2019

 

النسيان حائط لا بد من كسره … النسيان موت، والموت في النهاية انقطاع للذكر وتوقف للسرد واضمحلال للصور…

في تاريخ المشهد المسرحي المغربي شخصيات متفردة في الوجود، حياة موتا، عبروا ووراءهم آثار تستعصي على المحو، رغم طبقات الغبار المتراكمة، رغم مقصلة العيون المغمضة، رغم انقطاع نسل التواصل ل / في الذاكرة المسرحية …

تيمد … واحد من خيوط نسيج مسرحنا.

لكنه خيط كأنه نسيج وحده.

تائه في عالم تقاسمه مع مجانين المسرح وعشاقه، متفرد في الطريق والأسلوب فنا وحياة…

لتيمد معي حكاية خاصة، فقد كنت من بين القليلين، ربما الوحيد، من سلمني نصا لأخرجه…

رغم هذه التجربة لم أعرف عنه الكثير/ فقد جمعتنا الحياة لتفرق بيننا سريعا…

لهذا عندما كاشفني الصديق المخرج عبد الجبار خمران على الاشتغال على حياة تيمد في مشروع مسرحي، تخلق بدواخلي جوع لتلقي العرض الذي سيحتفي بواحد من مبدعين ناذرين في مسرحنا المغربي.

كيف يمكن استحضار شخصية واقعية في فضاء الحكي المسرحي، واستعراض حياته، في عراء الخشة لمتلق قد لا يكون سمع بالشخصية وتاريخها المأساوي العبثي ؟

هل يستطيع المخرج / المعد / لدراماتورج أن يقفز فوق المحاذير التي عادة ما تكبل حرية القول / البوح ؟ أم سيكون للأخلاقي دائما سطوة كبح الغوص في تفاصيل الحياة ؟

كيف سيعبر المخرج / المعد / الدراماتورج ( وهو من جيل لم يعايش تيمد ) من شتات الذكرة ومن الكلمات للعرض المسرحي ؟ أي السبل سيتوسل بها في مغامرته الاستثنائية… ؟

تلك أسئلة شغلتني وانا أنتظر عرض التابوت إعداد واخراج عبد الجبار خمران سينوغرافيا يوسف العرقوبي تشخيص : عبد الفتاح الديوري – رجاء خرماز – توفيق ازديو – زكرياء حدوشي

……………………………..

يهيمن التابوت على فضاء الأحداث، يتحرك ويحرك، منه إليه تنتهي الحياة.

لكن لماذ التابوت ؟ ولماذا تمحورت عليه محكيات العرض؟

تقول الرواية الشفوية أن محمد تيمد كان لديه في البيت ثابوت وكان يحب ان ينام فيه: نوم يشبه الموت.

هل كان تيمد يلهو بالموت، يلاعبه، ويلعب معه ؟

 

يدخل التابوت منسابا في العتمة كأنه آت من الفراغ … حتى إذا امتطى استقر في أعلى اليسار، هناك حيث 3 شخوص تظهر في حداد ثم يلتحق بهم رابعهم ليكتمل نصاب الشخص. يتحركون /  يتكلمون كالجوقة، تخالهم مختلفون متضادون لكن سرعان تذرك أنهم متآلفون، تعيش خصوماتهم فتعتقدهم أعداء يدفع بعضهم البعض نحو الموت، لكنك تكشف أنهم مجرد هواجس ذات مفردة متشظية .

يتأسس نص العرض على حكي روائي مسرحي بعنوان (قوس ايامي) للمسرحي محمد تيمد، وقد ظل مؤلف العرض مخلصا لنص السيرة ضمن خيارات دراماتورجية ركحية تعتمد السرد والحكي والرواية والتشخيص في تداخل دقيق. وينتقل فيه السرد بين “الأنات” المختلفة دون تكلف.

أربعة ممثلين / أحيانا أربعة شخصيات هم تعداد اسم الشخصية (ت ي م د) لكن لا أحد بين الشخصيات يتفرد – خلال الحكي – بحرف خاص يتميز به عن حر آخر في الحركة والقول. هم الحرف والاسم كله. يروون في سلاسة في سردية شاعرية مسارات حياة تيمد من مهده للحده، مرورا بأهم مفاصل الحياة التي شقها داخل البيت وخارجه، حياة بجنون وشاعرية وبوهيمية.

تتشظى الجملة الواحدة في عرض التابوت، بين الأربعة، يصوع المعنى ذاته في لعبة الكلماتو الحروف المتناثرة، بين الأربعة، يرغم المتلقي أن يجمع الشتات والأجساد والذكريات بسرعة تلاحق تعابير الجسد الراقص وانسياب الغناء.

هنا العبث لا يعبث، والسخرية لا تضحك، ففي النهاية تحضر الحياة بوجهها الماساوي الجميل القبيح.

ميم : عندما نزحنا من الصحراء إلى فاس أو قل من الشرق إلى الغرب

دال : ما كان معنا غير سليلة ديال التمر.

ياء : كأنني أسأل ولماذا الهجرة ؟

تاء : الاستعمار

ميم : الحرب

دال : الجفاف

ياء : أفكر في قولها وسأعرف من المستقبل أن كل المهاجرين ينتحلون نفس الأسباب.

ميم : تتنهد

دال : تدمع عيناها

ياء : تحاول تجفيف دموعها بكفين يائستين

تاء : الرجال هم الذين يتحكمون والنساء ما عليهم إلا الطاعة.

ياء : أسأل نفسي :

الجميع : ما الفرق بين الرجل والمرأة ؟

 

لا يهم من يقول… المهم hلقول،ذلك خيار السرد المسرحي في دراماتورجيا خمران، الممثلون لا يمثلون أنهم يلعبون، يروون يشخصون يغنون.. والمكان في العرض – باقتصاد شديد – لا معنى له خارج الإشارة والعبارة . لهذا هم يشكلون المكان كما الأنسان المحكي عنه، من جزئيات بسيطة عارية/ مثل اللعبة نفسها.

من هذه المنطلقات اعتبر تجربة التابوت سؤال في المسرحة، خطوة تنحت في “كيف” حكي ممكن يتعدد فيه الرواة والرواية واحدة… كيف للحكي أن يصير محكيه؟

مغامرة جميلة تنتظر قارءها… والأكيد هو قارئ خاص ومتميز جدا، لأن العرض لا يذهب في فجاجه ولجاجه إلا لمتلق يدرك أن الشعر يستدعي الانصات بالعين.

22 نوفمبر 2019 / خريبكة

مساحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *