تَجَلِيَاتُ ضِيَاءِ الرُّوحِ لغنام غنام

تَجَلِيَاتُ ضِيَاءِ الرُّوحِ لغنام غنام

تَجَلِيَاتُ ضِيَاءِ الرُّوحِ لغنام غنام

 

هذا نص للمسرحي غنام غنام نشر سنة 2002 …

ننشره للاطلاع – وأي رغبة لانجازه نطلب الاتصال بالكاتب وأخذ موافقته الرسمية

الشخصيات:

 

1 ـ ضياء الروح        : الملك الشاب.

2 ـ عطف القلوب       : والدة ضياء الروح / الملكة.

3 ـ فرط الرمان : زوجته.

4 ـ حكمة الزمان        : حكيم القيصر، معلم الضياء، والد فرط الرمان.

5 ـ بهلوان            : بهلوان البلاط.

6 ـ  عنان             : فارس الفرسان.

7 ـ سر القمر   : الحلم/ المعشوقة.

8 ـ فرقة الموسيقى     : المكفوفون الثلاثة.

9 ـ الأسود             : التجلي الآخر لضياء الروح.

+ مجموعة من الخدم والحرس والجند وعلية القوم.

 

***

التجلي الأول

(يوم العرش)

 

في باحة القصر/

[يدخل نافخ البوق فيتوسطها… ثم ينفخ في بوقه إيذاناً ببدء الحفل إذ تندفع  من فورها مجموعة المحتفلين ساحبة معها الزينة وكرسي عرش فخم، فيما يحمل أحد “الخدم/الجند”، طبقاً عليه عمامة ويحمل آخر بين يديه عباءة قشيبة، يبدو “حكمة الزمان” في المكان يقود هذه الترتيبات، يدخل “البهلوان” بحركاته الخفيفة المبهجة، فيصطدم بحكمة الزمان].

 

البهلوان         : السلام عليك… والأمان لي… يا حكمة الزمان.
حكمة الزمان    : لولا أن اليوم مفترح البهاء والفرح.. لجعلتك الآن تصيح آهٍ.. وآخٍ.. وأحْ..
البهلوان         : السماح السماح..
حكمة الزمان    : لا أريد أن أراك في هذه الساح ـ فاليوم مجال العقل والعلم، لا مجال الطرائف والترارايلم.
  [تدخل مجموعة من الموسيقيين وهي تعزف وتردد، ثلاثة من المكفوفين].
الموسيقيون     : ترارايلم ترارايلم.. أهلاً بالعقل وبالعلم..
حكمة الزمان    : كفى.. ماهذا أيها البهلوان…
البهلوان         : يا سيدي على مدار السنوات الطويلة.. قلّبت الفصول في رأس تلميذك أعانه الله وزرعت العلم فيه ليجني المعرفة.. وقد صيفت مدرستك الآن.. فدعه يسمع بعض الموسيقى والألحان.
حكمة الزمان    : اخرج بفرقة الزفة  هذه من هنا… ابحثوا لكم عن عرس أو ختان، واعزفوا فيه، أما حفل ختام العلم للأمير “ضياء الروح”… فلا مكان لموسيقى لا تداعب الروح…
البهلوان         : لو سمحت لي بكلمة على انفراد..
حكمة الزمان    : تابعوا العمل فعما قليل سيبدأ حفلنا.. [للبهلوان] هاتِ وخلصنا.
البهلوان         : أطال الله لحيتك… ووسع عليك حكمتك… وأدام عليك صحتك.
حكمة الزمان    : دع الألاعيب وتحدث بالمفيد.
البهلوان         : هذه فرقة على باب الله… تعمل كما رأت عين حكمتك .. في الأعراس وحفلات الختان… ومستعدة للطم في الطلاق والجنازات…
حكمة الزمان    : إذن فليذهبوا إلى ميدانهم…
البهلوان         : هذا ما فات عين حكمتك، إن البلاد والعباد مشغولون اليوم بهذا الاحتفال… لذلك فالحال… واقفة…
حكمة الزمان    : الحال منصوبة..
البهلوان        : تلك في قواعد اللغة… أما في قواعد الناس… فهي واقفة والكل شاخص لباحة هذا القصر… فلا أحد يتزوج… ولا أحد يخطب حتى دفن الميتين أُجل للغد… فعزت الجنازات..
حكمة الزمان    : لست أدري ماذا كنت ستفعل… لو أنك كنت أطول…
البهلوان        :  فقط ألبس الجبة والقفطان… وأجعل اسمي حكمة ـ [ينظره حكمة الزمان بقسوة]. حكمة البهلوان….
  [صمت قليل ثم ينفجر حكمة الزمان ضاحكاً]
حكمة الزمان    : حسناً… فليبقوا هنا… فيشهدون الاحتفال…

وينالون ما يتيسر من رزق وطعام… دون أن يتكلموا أو يعزفوا تلك الأنغام…

الموسيقيون ترارالايم… ترارالام.
حكمة الزمان    : “غاضباً” بلهوان…..
البهلوان        : عندي ولازم ذمتي يا سيدي… فاهدأ [للموسيقيين] يا جماعة [ثم يكمل حديثه لهم همساً  فيهدأون … ويجلسون بآلاتهم في زاوية مخفية من المكان…].
  [يدخل الأمير ضياء الروح]، [يهب إليه حكمة الزمان].
حكمة الزمان    : مولانا الأمير ضياء الروح عجلت في القدوم… كنت سأرسل الحرس المرافق لأصطحبك… ما شاء الله باللباس الأبيض تبدو مثل ملاك … كيف أعصابك؟
ضياء الروح     : هذا يوم الثقة بالنفس… ألم تسمهِ هكذا يا معلمي… وإنني أريد بإذن الله يوماً للاحتفاء بكَ وبعلمكَ الغزير الذي لم تبخلْ بهِ عليَّ… لا احتفالاً بنجابة التلميذ.
حكمة الزمان    : العلم إن كان سر تواضع العلماء زانهمُ.
ضياء الروح     : وإن طغوا به وتكبروا بالجهل زادهمُ.
  [يتوجه ضياء الروح إلى كرسي العرش].
ضياء الروح     : معلمي يا حكمة الزمان… أي امتحان أصعب من الجلوس فوق العرش…
حكمة الزمان    :  في الدنيا لا امتحان أصعب  منه… إنما في الآخرة هناكَ ماهو أصعب منه بكثير..

 

ضياء الروح     : أصعب من الجلوس فوق العرش… هو الوقوف يوم الحساب بين يدي ذي العرش سبحانه.
  [تدخل الأم الملكة في موكب من حاشيتها ووصيفاتها وخدامها].
الملكة          : يبدو أنكم بدأتم قبل وصولي…
  [ضياء الروح يقبل يد أمه ـ التي تجلس على يمين العرش].
ضياء الروح     : بكِ ابتدأت  حياتي… وبين يديكَ أبدأُ اليوم.
حكمة الزمان    : فلتأذن لي مولاتي بدخول الخاصة من المدعوين للاحتفال…

[تشير بيديها بالإذن… فيما يجلس ضياء الروح على مقعد خاص في الجهة اليمنى من الساحة، يتوجه حكمة الزمان إلى يسارها يشير بيديه… يصدح البوق… وتدخل  مجموعة الأعيان والعلماء من رجال ونساء].

حكمة الزمان    : ]قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون[

صدق الله العظيم.

مولاتي الملكة الأم الرؤوم…

السادة الأعيان والمصونات

أيها الجمع الكريم…

اليوم أضع رسالتي  ومهمتي في يد قرة العين وأمل النفس الأمير ضياء الروح… وإنني الآن قرير البال مستريح.. وكل منيتي لقاء وجه ربي القدير.. واللحاق بسيدي لأبشر روحه بأن تطمئن وترتاح فالأم أنجزت له وعدها، وأنفذت وصيته وصار ضياء الروح في مبالغ الملوك… وسيجعل الله على يديه عودة العز والظفر، واندحار الهزيمة، والغدر… واسترداد هيبةٍ ما هانت لكن العوادي وغيبة الموت لروحهِ أجلت الأمر إلى أن يريد المريدُ سبحانه…

الملكة          : بنيَّ الطالعَ من إرادة الخلاق… الكائن في القرار المكين وبيت الخلق… العرش في انتظارِ جلستكِ عليه، وأنت اليوم  قد بلغت مبالغ الرجال، فأثبت أنك بلغت مبالغ الراشدين  الواثقين المقدمين المقدمين، ليكون لك الاستحقاق وليبايعك القوم بقولهم “آمين”.
ضياء الروح     : بسم المبدع الذي خلق الإنسان فأبدعه في صورته ومنحه الدنيا وواسع رحمته، ورده إلى عرشه وسدرته، أماه أيتها  الملكة التي عطر ذكرها كل مقروء ومسموع ومكتوب، أماه ياعطف القلوب.

حدثني معلمي حكمة الزمان وعلمني بأن مقاصد الخلق راجعة للدين والدنيا… فلا يتوصل المرء إلى الدين إلا بدنياه.. والدنيا طريقه لآخرته..

الملكة          : وعن أخلاق الملوك؟..
ضياء الروح     : علمني معلَّمي حكمة الزمان بأنه على مثل أخلاق السلطان يكون الزمان
الملكة          : وما أول ما يحاسب به العبد؟
ضياء الروح     : الصلاة…
الملكة          : وأول ما يقضى بين الناس؟
ضياء الروح     : الدماء..
الملكة          : وأي الذنب أعظم عند الله؟
ضياء الروح     : أن تجعل لله نداً وهو خلقك.
الملكة          : ومقصد المؤمن؟
ضياء الروح     : الجنة..
الملكة          : ومفاتيحها؟
ضياء الروح     : السيوف مفاتيح الجنة.
  [يظهر في الباحة فجأة فارس ملثم ملتف بالسواد شاهراً سيفه صارخاً متجهاً نحو ضياء الروح].
  [يهب ضياء الروح شاهراً سيفه ويخوض مبارزة قوية، والكل مشدوهٌ بما يحدث، حتى يتغلب ضياء الروح على المهاجم فيلقيه أرضاً بعد أن يسقط منه سيفه فيضع ضياء الروح سنان سيفه على صدره].
ضياء الروح     : اكشف لثامك أيها الخجل من ملامحك إذ تهاجم عباد الله في بيوتهم.
  [يكشف الفارس لثامه]، [يُدْهش الأمير].
ضياء الروح     : عنان.. فارس الفرسان… أي فعلة شنعاء تفعلها؟‍… أم همُ الأعداءُ قد دفعوكَ لغيلتي؟… حين أحسوا بأنني سأصبح منذ اليوم نِدَّهُمُ.
  [يهم بقتله ـ تتدخل الأم].
الملكة          : ولدي الأمير ضياء الروح… ماكانَ عنان يوماً إلا عنان الريح.. رمحك وترس ملكك… لكنني طلبتُ منه هذا رُغم خطورته البالغة… إنه امتحانك…
ضياء الروح     : إذن فقد ادعى الهزيمة ليرضيكِ ويبرزني…
عنان   : بل يشهد الله ما جالدتُ فارساً في حياتي بهذا البأس…
ضياء الروح     : عنان أنت فخر فرساننا … ولا عاش من يهزمك وأنا حي…
عنان   : مولاي أنحني لك انحناءة الفارس للفارس.. والمولى لمولاه…
الملكة          : امضِ يا عنان إلى ما كنت فيه… بوركت أيها الهمامُ…
عنان   : بإذن مولاتي ومولاي…
  [يخرج عنان].
الملكة          : خير الناس؟
ضياء الروح     : أنفعهم للناس.
الملكة          : وخير الأمم؟
ضياء الروح     : كنتم خير أمة أخرجت للناس.
الملكة          : وخير الأمة؟
ضياء الروح     : الحماة الكفاة في الحرب إن لف ضرامٌ وقوده بضرامِ…
الملكة          : الهواشم هم أولئك؟
ضياء الروح     : الأساة الشفاة للداء ذي الرّيبة والمدرعين بالادغام..
الملكة          : والشاعر هو؟
ضياء الروح     : الكميت.
الملكة          : وعن نوم الشافعي ماذا تقول؟..
ضياء الروح     : أما والله لو علم الأنامُ

لِما خلقوا لما غفلوا وناموا

فموت ثم بعث ثم حشر

وتوبيخ وأهوال عِظام،

ونحن إذا نهينا أو أُمرنا

كأهل الكهف أكثرنا نيام…

الملكة          : ومن الذي تزوج أمه وفُقئت عيناه؟
ضياء الروح     : أوديب الذي رواه، وروى عنه سوفوكليس.
الملكة          : واسخيلوس؟
ضياء الروح     :  سطر ثلاثية الأوديسا فأبعد…
الملكة          : ومسخ الكائنات؟
ضياء الروح     : سطره العربي البارع أوفيد.
الملكة          : وعن العدو والصديق؟
ضياء الروح     : علمني حكمة الزمان بأن العدو خصم تخاصمه بالحجة وتحرز منه، أما الصديق فليس بينك وبينه قاضٍ يحكم غير حسن الخلق.
الملكة          : ومتى تعرف الناس؟
ضياء الروح     : قال لقمان لابنه : لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا أخوك إلا عند حاجتك إليه.
الملكة          : فمن أيسر الناس؟
ضياء الروح     : رجل أذهب عمره في طاعة الله..
الملكة          : فمن أحمق الناس؟
ضياء الروح     : رجل باع آخرته بدنيا غيره.
الملكة          : وماذا عن الشعر؟
ضياء الروح     : والشعراء يتبعهم الغاوون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
الملكة          : والموسيقى؟
ضياء الروح     : تسبيح الخلائق للخالق… بأحرف لا تدركها إلاَّ الروح.
الملكة          : وشيخها؟
ضياء الروح     : الفارابي الذي جمع الناس فأبكاهم وأضحكهم ثم أنامهم…
الملكة          : وآلته؟
ضياء الروح     : سيدة الآلات… القانون…
  [يأتون له بالقانون، فيعزف عليه عزفاً يبعث فيهم الطرب والضحك ثم الشجن، ثم النغم الراقص.. فتأخذ فرقة المكفوفين الموسيقيين بالرد على جمله… مما يعجب الحضور.. ثم بازدياد الحماسة للأمر تدخل الفرقة ويختلط الجميع ببهجة كبيرة… ويعتقدون بأن ذلك من تدبير حكمة الروح]. [يبرز ضياء الروح كراقص ماهر].
  [عطف القلوب تشير إلى حكمة الزمان بالانتقال إلى موقع آخر بالنسبة للمحتفلين، فيشير بدوره إلى صداح البوق الذي يطلق نفيره فتتوقف الموسيقى ويتوقف المحتفلون].
حكمة الزمان    : بأمر مولانا عطف القلوب، يتوجه المحتفلون إلى القاعة الكبرى لتناول العشاء الملكي، وستكون الملكة وأميرنا المحبوب بينكم بعد قليل… لسماع رأيكم السديد، في أمر اعتلاء أميرنا سدة الحكم وعرش الملك.
  [يبرز أحد الأعيان].
أحد الأعيان    : إنه الأمير… بنسبه الكبير.. وما بان لنا من علمه الغزير… وهو المحبوب… ابن عطف القلوب… وسر أبيه المرحوم الذي علمنا أن لا نهون.. وعلمنا كيف نكون.. باسم كل الحاضرين أقول    :
الجميع  : آمين
  [دهشة تعلو عطف القلوب ترافقها رقرقة الدمع في العين، وفرحة غامرة على وجه حكمة الزمان فيما يركع ركعة الفرسان أمام أمه ضياء الروح].
  [خلال كلامها يتم تتويجه بعمة الملك وعباءته].
عطف القلوب   : أما وقد آمن القوم لك مجمعين.. ولهجوا بلا تردد بقولهم آمين، فهذا هو اليوم الذي انتظرته منذ زمن… مذ فارقني وفارق عرشه والدك المرحوم… وحملني مسؤوليتك ومسؤولية كل أبناء الوطن، فسهرت عينٌ عليك وعين عليهم… وروح تعلقت بروح الذي راح، وقلب ظل يهوي لأرضنا المغتصبة المستباحة.

فقم أيها الملك الجديد.. باسم الله فإن عزمك اليوم حديد.. وباسم الله يلهمك الرأي السديد… وباسم الله كلنا تحت إمرتك الجنود.. باسم الله في أمةٍ حرَّةٍ.. كلها سادة في الخير… وكلها في الحق عبيد.. وعلى اسم الله نعقد النية، وباسم الله نفعل ما يريد…

  [يقف الأمير الذي نودي به الآن ملكاً… يقبل يد أُمه ثم يعانق حكمة الزمان… وبعدها يلتفت إلى الجمع.. يرفع يديه عالياً].
ضياء الروح     : الحمد للملك القدوس… ثم الشكر لكم… ضياء الروح أخوكم وولدكم.. ولدت فيكم… وفقدت والدي، وما تيتمت فيكم… ربيت فيكم وكبرت فيكم… وإنني بإذنه علام الغيوب… سأهزم الصعب معكم وبكم.. اللهم فاشهد.
حكمة الزمان    : بإذن مليكنا المحبوب… ومولاتنا عطف القلوب… هلموا إلى القاعة الكبرى للاحتفال.
  [يمضي الجمع… فنرى الفرقة الموسيقية خلفهم… بتردد… فيوقفهم حكمة الزمان].
  [بهلوان يراهم فيتدخل].
بهلوان          : من هُنا يا غجر..
حكمة الزمان    : لا بل من هنا إلى العشاء.. وبعده… جوبوا الطرقات وأعلنوا في الناس أن ضياء الروح قد تسنم سدة العرش الملكي… وفي الصباح تأتون لأخذ ما قسمه الله لكم.
موسيقي         : أبشر هذا واجبنا تجاه زميل… إنه يعزف القانون كأمهر العازفين…
بهلوان          : زميل! إزميل يدق لسانكَ… إنه مولانا الملك…
  [يخرجون باتجاه القاعة الكبرى].
  [يتجه بهلوان باتجاه ضياء الروح].
بهلوان          : يوم المنى يا أغلى إنسان… يوم تتويجك ومبروك من بهلوان.
ضياء الروح     : بهلوان الألعبان… سيشيخني العرش… لكنك لن تشيخ منذ طفولتك وأنا أراك هكذا كما أنت… بينما أشعر أنني كبرت اليوم ألف عام.
بهلوان          : ما شاء الله… هاقد صرت من سلالة سيدنا نوح… وما عليكَ إلا أن تأخذنا لسفينتك من كل زوج اثنين [يضحكون].
حكمة الزمان    : [مقرعاً] تأدب يا بهلوان…
ضياء الروح     : دعه يا معلمي…
بهلوان          : لكن هناكَ مشكلة…

سوف تجد من كل صنف ما تريد إلا اثنين…

ضياء الروح     : من هُما؟
بهلوان          : أُمنا عطف القلوب.. وبهلوان الألعبان…
  [يضحكون جميعاً].
عطف القلوب   : لا عدمنا روحك الخفيفة يا بهلوان… فهي نافذة الابتسامة الوحيدة إلى أرواحنا خلال فترات الشدة… وماكنت يوماً بهلواناً مهرجاً… بل كنت دوماً بهلواناً يؤشر إلى الحكمة ببنان الطرفة…
بهلوان          : خادمك مولاتي… وهذا علي كثير… بالإذن…
  [ينحني منسحباً باتجاه القاعة الكبرى].
حكمة الزمان    : هلاّ شرفتما العشاء مولاي ومولاتي..
عطف القلوب   : تمهل قليلاً يا حكمة الزمان… فهناك أمرٌ لابدَّ من قوله الآن لولدنا ضياء الروح…
ضياء الروح     : بدأت استحقاقات الملك تهِل!..
عطف القلوب   : أجل يا ولدي… وعليك أن لا تمِل… واعلم أن وقتك جله.. ليس لك… وأمام شعبك… ستبدو كما يحبون… فإن وافق ما تحبه هواهم… وما يحبونه فيكَ هواكَ.. نلت مناكَ وحققت رجاكَ…
ضياء الروح     : سلمت حكمتك يا أماه…[لحكمة الزمان] ما هذا؟.. هناك من ينافسك في الحكمة يا معلم!!…
حكمة الزمان    : الحكمة فوق شفاههن… كالعطر على شفاه الورد… ومولاتي حوت الحكمة والرحمة… فكأن عطف القلوب جميعاً قد تجمع في أعطافها..
عطف القلوب   : لا تُنسياني ما أردتكما بشأنه…
ضياء الروح     : لبيك في أي شأن كان.. حتى لو أردت كوكباً لقطفته… ووضعته على كفك يتوهج…
عطف القلوب   : أريدك أن تتزوج…
ضياء الروح     : ماذا؟
عطف القلوب   : أن تتزوج..
ضياء الروح     : يعني ماذا؟!
عطف القلوب   : [مستنكرة وبنظرة لحكمة الزمان]. ماذا يعني ماذا؟!

حكمة الزمان… ألم تعلمه؟!

حكمة الزمان    : [محرجاً] بلى ولو!! ولدي.. الزواج.. هل نسيت؟!
ضياء الروح     : جعل لكم من أنفسكم أزواجاً..
عطف القلوب   : إذن… أريد أن  تسكن.
ضياء الروح     : أرى أن الوقت مبكر على هذا الكلام…
عطف القلوب   : بل هو الأوان.. تكمل نصف دينك… ويكون لك حصناً من الشهوات والكيد.. بزواجك يراك شعبك أكمل… وتبدأ عهدك بفرحك الأول… فيكون إشارة… ويأتينا بالبشارة… بخلف صالح… ومن يرث الملك وواجب خدمة الأمة..
حكمة الزمان    : الله الله…. سبحان الذي يلهمك ولا يبخل… سبحانه عز وجل… فخير الكلام ما نطقته.. ولدي… عفواً… مولاي ضياء الروح… إن كان العلم قد صرفك عن مجرد التفكير بهذا… فلكل ثمرة أوان…
ضياء الروح     : أنا لم أعرف نساءً غير أُمي… واللواتي أراهن هُنا وهناك من صاحبات الخدور والجواري… لم أرهن يوماً بعيني رجلٍ ينظر إلى امرأة..
عطف القلوب   : أولا تعرف امرأة… أو لم تفكر بواحدة مذ بلغت الحلم.. ؟
ضياء الروح     : بل وأحببتهن.. لكنهن كن نساءً من خيال…  نساء سكنَّ قلوب عشاقهن.. فمن ليلى إلى لبنى إلى عزة وعبلة.. وفاطم امتدت شلالات من حرير الحلم منسوجة من آهات قيس وكثير وعنترة وامرئ القيس حتى صارت آهاتي…

ولكم أخذتني عشتار وعناة إلى حقول من شقائق نعمان حملت دم العاشق الشهير أدوني بعل… ولكم رسمت لأفروديت صوراً على غيم أبيض في كبد السماء لتذهب في عناق مع قمم جبالٍ شاهقة لأرى دمعها ينهمر مطراً… وأتساءل…

عطف القلوب   : بل أنا التي أتساءل… وبعد كل هذا.. من هي صاحبة الحظ السعيد… تلك التي ستكون سكنك؟
ضياء الروح     : أماه… وماذا لو بقيت عازباً؟!
حكمة الزمان    : قال المصطفى (ص): (تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة).
عطف القلوب   : ويهدأ خاطري وأموت قرير العين إذ أكون قد أوفيت رسالتي… أم تريد؟!
ضياء الروح     : حاشا لله.. أنا طوع أمرك… فاختاري زوجة ولدك..
عطف القلوب   : لا أختارها أبداً… بل أترك الأمر لك…
ضياء الروح     : وأنا أترك الأمر لمعلمي ليتمم الأمر بمعرفته…
عطف القلوب   : هكذا تضمن حكمة القرار من حكمة الزمان…
حكمة الزمان    : اعذراني… فإن الأمر لي أصعب بكثير…
  [يأتي بهلوان مسرعاً].
بهلوان          : مولاتي، مولاتي، الجمع في انتظاركم.. فبماذا تأمران…
ضياء الروح     : بهلوان.. تعال هُنا..
بهلوان          : يا ساتر يا لطيف
ضياء الروح     : بهلوان.. ما رأيك بالزواج…
بهلوان          : شر لابد منه.
ضياء الروح     : وأنت لم تتزوج؟!
بهلوان          : أبي رحمه الله كان متزوجاً..
ضياء الروح     : وأمك…
بهلوان          : أمي قضت عمرها عزباء..
ضياء الروح     : كيف يا فهمان…؟!
بهلوان          : رحل عنها أبي بعد شهر من زواجه منها…
عطف القلوب   : قضت عمرها أرملةً لا عزباء…
بهلوان          : وأعزب دهر خير من أرمل شهر…
ضياء الروح     : وهل أنت سعيد بعزوبيتك أم تفضل الزواج؟
بهلوان          : أنت على الحالين نادم..
ضياء الروح     : إذن لن أتزوج يا جماعة…
حكمة الزمان    : هكذا خربت كل ما بنيناه…
بهلوان          : هل تنوي الزواج يا مولاي؟‍
ضياء الروح     : كنت…
بهلوان          : بل توكل على الله.. وتزوج..
ضياء الروح     : وماذا كنت تقول قبل قليل.
بهلوان          : وهل زواج بهلوان مثل زواج الملك ضياء الروح!!
ضياء الروح     : فاختر لي عروساً على مسؤوليتك…
بهلوان          : بهلوان يختار عروساً للملك!! الدنيا في آخرها…
ضياء الروح     : أنت قلت لي إن الزواج شر… ورجعت في قولك فزوجني بمعرفتك… فإن شراً وجدتُهُ… لقيت مثلي… وإن خيراً وجدتُهُ… زوجتك مثلي…
بهلوان          : أيعقل أن تبحث عن عروس تليق بعلمك ومكانتك وهي أقرب إليك  من الباب الذي هُناك!
ضياء الروح     : حيرتني!!
عطف القلوب   : بهلوان ليس الموقف هزلاً…
بهلوان          : حسناً… إنها سيدة صبايا القوم أجمعين… ليس في مثل أدبها إلا أفضالكم… وليس في مثل علمها إلا جلالتكم.. أما في مثل جمالها.. فما صورت حكاية… ولا رأت عين إنسان…
عطف القلوب   : الله يا بهلوان ما هذا الوصف..؟!
بهلوان          : هذا وصف عاجز لا يحسن الكلام.. ففي مثلها فقط يحسن النظم والقصيد.
حكمة الزمان    : فأمضي لأخطبها لمولاي في الحال…
بهلوان          : سبحان الله.. فالشجرة لا تعرف حلاوة ثمرها… وتكون طول العمر حاملة لها.. حتى يأتي صاحب القسمة فيأكلها… تُرى هل تعرف شجرة الرمان قيمة رمانها…
ضياء الروح     : اختصر يا بهلوان…
حكمة الزمان    : هذا ليس وقت الرمان [يتنبه] إياك أن تعني؟!
بهلوان          : بالضبط يا حكيم..
حكمة الزمان    : بإذنكم.. علي الذهاب.
عطف القلوب   : ما الأمر يا حكمة الزمان؟
ضياء الروح     : هل أغضبك هذا البهلوان؟
حكمة الزمان    : بل…
بهلوان          : لقد أحس بالإحراج.
ضياء الروح     : الإحراج من الزواج؟
بهلوان          : بل لأنه عرف الفتاة التي أعني…
عطف القلوب   : وما المشكلة في ذاكَ يا بهلوان..
بهلوان          : لأنها ابنته فرط الرمان.
حكمة الزمان    : طلبتُ الإذن يا مولاي..
ضياء الروح     : اذهب.. ولكن…..

إلى بيت العروس… واطلبها من أبيها… وقل له…

إنَّ ولدي وتلميذي الملك ضياء الروح يتشرف بطلب يد ابنتك..

[ينسى اسمها فينظر للبهلوان].

بهلوان          : [هامساً] فرط الرمان.‍
ضياء الروح     : فرطُ الرمان..
حكمة الزمان    : [وقد غلبه البكاء] مولاي ضياء الروح…
ضياء الروح     : ولدك.. أم أنك تستحي أن تخطب لي بنت حلال؟
حكمة الزمان    : بل هو غاية المنى وتاج الشرف لي ولابنتي…

لكنه عِزٌّ وشرف غلبني وجَيش مشاعري ودمعي… وفرط الرمان روحي وسويداء قلبي… وليست بأعز منكم لدي… فهي لك بين عدة جواريك…

عطف القلوب   : بل هي الأصيلة بنت الأصيل… تزيد من نور الحب والحكمة في قصرنا الضياء.. تمنح روح ملكنا السكينة والهدوء… وتنجب منه سلالة الصلاح والمُلك المكين.. على بركة الله.. فلنقرأ الفاتحة..
  [يقرؤون الفاتحة].
عطف القلوب   : والآن إلى العشاء لنعلن في جمع علية القوم النبأ السعيد وعلينا أن نحدد موعداً قريباً للزفاف الميمون..
  [يخرجون باتجاه قاعة العشاء، فيما البهلوان يقفز ويقهقه فرحاً وابتهاجاً… فيتأخر عنهم…ليجد نفسه قد بقي في الساحة وحيداً… فيسارع للحاق بهم وقبل غيابه تسمع أصوات التهليل للنبأ السعيد وتعلو الموسيقى]…
الأصوات        : مبارك يا مولانا… مبروك يا مولاتنا، مبروك أيها الحكيم، مبروك لنا جميعاً،
  [تعلو الضحكات مع الموسيقى، فيما تظهر جوقة الموسيقيين ومعهم البهلوان وقد عبروا الباحة باتجاه الخارج وهم يعلنون النبأ].
الفرقة   : يا أهل المدينة يا أهل البلاد… بلاغ سامٍ من ملك البلاد… أقيموا الأفراح والليالي الملاح… فمولانا ضياء الروح خطب ابنة حكمة الزمان فرط الرمان، وسيكون الزفاف الميمون يوم اكتمال البدر من هذا الشهر، يا أهل المدينة يا أهل البلاد..
 

ÙÙÙ

التجلي الثاني

(ليلة سر القمر)

 

[عطف القلوب، وضياء الروح وحدهما في الباحة ليلاً].

 

عطف القلوب   : اليوم يا مليك روحي… روحي أخذت في الهدوء… علم غزير وعود نضير، وعروس تنهل الأخلاق والمحاسن من نبع حكمة  لا ينضب بل ينساب مثل الغدير…
ضياء الروح     : واحة الأمان وأمن الأمومة أم المليك… مليكة العطف، وعطف القلوب… وقلب ضياء الروح أنت… ما ارتضيت كل هذا إلا لكي أرد الجميل… لصبرك الطويل… ولعينيك التي ما غفلت ليلة وهي نافذة لحماية الرب مفتوحة على خطوي ونومي وحلمي وألمي…
عطف القلوب   : ولأجلك  أيضاً يجب أن تفعل…
ضياء الروح     : ما كذبتُكِ عمري..
عطف القلوب   : ويح عمري.. ألست راغباً؟
ضياء الروح     : أماه لا… لا تقلقي… فقط أبوح لك بكل مافي الروح… أنا طوع بنانك… لكنني ما فكرت بذلك.. أنتِ من دبر وفكر…
عطف القلوب   :  وهل تشك؟‍!
ضياء الروح     : أُماه…  أشك في عيني ولا أشك فيك… ولا أشك في تضحيتك من أجلي.. لكن قلبي.
عطف القلوب   : سلامة قلبك…
ضياء الروح     : أُحِسُّهُ مثل راية تمزقها الريح على قمة صخرية.. أو كبئر عميقة كلما أردت تهدئتها… غمرتني ظلمتها…
عطف القلوب   : سينجلي القلق الذي يهز عودك حين يلتف فرع فرط الرمان حوله فيمنحك السكينة… روحان من جمر الشباب يمكن لهما أن يشعلا موقد الحلم في روحك.
ضياء الروح     : أُماه… أعطني كفك…
  [تناولـه كفها.. يغمر وجهه فيها، تعبث بشعره… فيرتفع وجهه وقد ابتسم].
ضياء الروح     : راحة الروح كفك… كوني مطمئنة البال… اذهبي للنوم وأطلقي حمامة المنام لتري ضياء الروح كما تتمنين.
عطف القلوب   : وأنت؟
ضياء الروح     : سأُساهرُ القمر وأرجوه أن يكتمل بدره بسرعة ليكون يوم فرحنا…
عطف القلوب   : ليلة طيبة [تقبل ولدها].
ضياء الروح     : أحلاماً سعيدة..
  [عطف القلوب تمضي… فيما يتحول هو في الباحة يداعب أزاهيرها بشكل قلقٍ ملول ثم يتوجه إلى بركة ماء في الباحة يجلس على حافتها]. [ينظر إلى صورته في الماء].
  غريبة هي عطف القلوب… ظلت تناظر في قسماتي صورة أبي… وتنفح في روحي ما عرفته فيه من إقدام… وهاهي الآن ترمي بكل أحمالها على عاتقي… تاج الملك وعباءته… وجرح الأمة… وزواجاً لم يخطر ببالي… وهي أُمي… قدسها الناس فيَّ وفيهم… فلن أكون خذلانها… لكن أين أنت أيها القمر الليلة… تعالَ.. ولا تجعلها تظلم… فروحي بحاجة لضيائك… فما الروح بلا ضياء… ؟
  [من خلال الأغصان تظهر سرُ القمر فيلتفت باحثاً عن مصدر صوتها].
سر القمر       : ضياء الروح… لا يعرف سره إلا سر القمر…
  [يحسب نفسه واهماً].
ضياء الروح     : الروح بلا ضياء…
سر القمر       : ضياء بلا نار.
  [يلمح ضوءها من خلال الأغصان].
ضياء الروح     :  وأي ضياء أرى؟
سر القمر       : سرُ الضياء…
ضياء الروح     : سر!
سر القمر       : سرُ القمر…
ضياء الروح     : القمر؟!
سر القمر       : القمر…
ضياء الروح     : هُنا.. في الباحة بين أغصان وردنا؟
سر القمر       : خلعت عني عباءة الليل… ولبست غلالة النور وتسلقتُ أغصان حديقتك…
ضياء الروح     : سمعت ندائي إذن أيها القمر…
سر القمر       : بل جئتك تلبية لنداء أعتق..
ضياء الروح     : أنت مرامي الليلة…
سر القمر       : وأنت مرامي مذ ولدت…
ضياء الروح     : تجلَّ أكثر أيها القمر… كُنْ صديقي…
سر القمر       : إن بي سراً لو رأيته…[تتحرك من مكانها عبر الأغصان].
ضياء الروح     : تجلَّ أكثر أيها القمر… [يتبع ضياءها].
سر القمر       : أخاف عليك من سهمِ…
ضياء الروح     : تجلَّ أكثر أيها القمر…
سر القمر       : هي غلالة من الضياء ما تبقى…
ضياء الروح     : ماذا تلف غلالتك..
سر القمر       : امرأة ولهها عشقك…
ضياء الروح     : امرأة…
سر القمر       : وتعشقك.
ضياء الروح     : ماعدت احتمل…
سر القمر       : القلب يشتعل.
ضياء الروح     : تجلَّ أكثر أيها القمر…
سر القمر       : تجل أنت يا ضياء الروح…
ضياء الروح     : نار تشب في جسدي… تجلَّ أيها القمر…
سر القمر       : لا تتعب نفسك في اللحاق بي بين أغصان الشجر.. انظر إلى بركة الماء ترني..
  [يندفع إلى بركة الماء].
ضياء الروح     : أيُّ امرأةٍ أنتِ؟
سر القمر       : أنا سرُّ القمر
ضياء الروح     : سرُّ القمر!؟…
سر القمر       : والقمر سر النساء جميعاً…
ضياء الروح     : سرُ الأسرار أنتِ…
سر القمر       : تجلَّ أكثر يا ضياء الروح… وَضَعْ عنَكَ وِزر الوِقار…
ضياء الروح     : وزر الوقار؟
سر القمر       : هذا الذهب الذي يثقل رأسك..
ضياء الروح     : تاج الملك…
سر القمر       : إنه قيد الذهب… ضعه عن رأسك… واترك شعركَ للهواء، أي أصابع يمكن أن تعابث شعرك وهو مقيد بتاجٍ من ذهب…
ضياء الروح     : أصابع تعابث شعري [يضع التاج جانباً]، [على حافة البركة].
سر القمر       : تخلص من عباءة الليل التي تثقل… صدركَ..
ضياء الروح     : إنها عباءة الملك لبستها للتو في التتويج، إنها من الحرير!!
سر القمر       : أي ريح ستداعب صدري وهو مثقل بحرير العباءة..  لا حرير يفوق حرير شعر يتسلل عبر قميصك المفتوح…
ضياء الروح     : حرير شعر على صدرك [يخلع العباءة يضعها بجانب التاج ويفتح أزرار قميصه].
سر القمر       : بقي الآن أن تخلع عقدة تعكر صفو صباك…
ضياء الروح     : أي سرُّ فيكِ..
سر القمر       : سرك… وإني أعشق فيك صباك فضع عنك تعب الكهولة…
ضياء الروح     : إنه قلق الروح المجروحة بالهزيمة…
سر القمر       : لا شيء يمكن أن يهزم ضياء روحك إن كنتَ معي…
ضياء الروح     : معك..؟!. متى؟!
سر القمر       : الآن إن أردت… ابحث عني في ماء نارك..
ضياء الروح     : الآن..

[ينزل إلى البركة… يتخبط فيها… وكأنه يبحث عنها في الماء… فيما تبدو من بين الأغصان سر القمر… ثم تتجه إلى حافة البركة… تأخذ العباءة والتاج].

[سر القمر تضحك، ضياء الروح في حالة أقرب إلى دهشة النشوة وهو في الماء…].

ضياء الروح     : تجلي أكثر يا سر القمر.. أريد أكثر…
سر القمر       : تعال إذن عند  اكتمال البدر… ترَ سر القمر قد تجلى تماماً.
ضياء الروح     : أين تمضين؟
سر القمر       : تعال عند اكتمال البدر…
ضياء الروح     : أعدك… وعد ضياءٍ لسر القمر…
سر القمر       : تعال وقد أطلقت خيلك كلها…
ضياء الروح     : أين؟
سر القمر       : ابحث عني في ماء نارك..
ضياء الروح     : [يراها تبتعد] وإن لم أجدكَ؟
سر القمر       : في نار مائك.
ضياء الروح     : فإن لم أجدكَ؟..
سر القمر       : ذاكَ خسوف الروح وانكسار القمر إن لم تجدني..
  [تختفي نهائياً… يعاود هو التخبط في بركة الماء فإذا بنار تنبعث منها… يفر هارباً من البركة… يبحث عن تاجه وعباءته فلا يجدهما.. يركض هُنا وهناك حائراً… يلسعه البرد… يعود إلى حافة البركة… يستدفئ… بالنار الطالعة منها…].

 

 

ضياء الروح     : قلوب تعذبها نار اللظى… 

وقلوب تموت من البردِ بلا نار..

وعين تفيض بماء الهوى..

وعين تشقق من ظمأ ونارِ..

فما بال عيني يهل الماء ناراً

وعينـي نـار كمـاءٍ جـارِ

كأني بي اثنين واحد يرشق بالماء

قلبي ويطفئني برشقة النار..

  [يظهر البهلوان.. يرى ضياء الروح على هذه الحال.. يدنو منه بهدوء ثم يرمي عليه شالاً يغطيه.. فيربك ضياء الروح فيسقط في البركة…].
بهلوان          : تباً لي.. جئت أكحلها فعورتها…
ضياء الروح     : ماذا فعلت بي يا بهلوان..؟! هل تحسب أنه ماكان ينقصني إلا هذا؟!
بهلوان          : خفت عليك البرد… فألقيت بالشال عليك… ويح البهلوان ما حسبت بأن شالي ثقيل على منكبيك… حتى تقع تحته في الماء… فيزداد البرد بدلاً من منحك الدفء…
ضياء الروح     : كنت أتدفأ على النار وماكان بي بردٌ ولا..[يخرج من البركة].
بهلوان          : النار..؟! أي نار؟!
ضياء الروح     : نار كانت تنبعث من هُنا..
بهلوان          : من البركة..!؟
ضياء الروح     : وكانت تبعث فيَّ حرارة…
بهلوان          : من البركة؟!.. أول مرة أعرف أن في القصر بركة نفطٍ…
ضياء الروح     : تسخر يا بهلوان؟
بهلوان          : معاذ الله… ولكنني أحاول أن أجد تفسيراً لرؤيتك النار في البركة…
ضياء الروح     : أنا لم أرها… بل كانت بالفعل موجودة…
بهلوان          : [يتذوق ويتشمم الماء] نفط… أي والله… لكن كيف اشتعل بلا نار؟.
ضياء الروح     : … إنه سر القمر…
بهلوان          : مولاي.. سمعت الناس دائماً يقولون… جُنَّ فلان من الفرح…
ضياء الروح     : ماذا تعني؟!!
بهلوان          : العفو مولاي… لكن فرحتي اليوم ربما جننتني وجعلتني لا أفهم عليكَ ما تقول…
ضياء الروح     : إذا كنتُ أنا نفسي… لا أفهم ماذا بنفسي…
بهلوان          : بارك الله فيكَ.. هلم إلي جناحك… فالفجر أوشك أن ينبلج… ولابدَّ من أن تريح بدنك…[يمضيان].
 

 

التجلي الثالث

(تجلي العاشق)

 

[في النهار التالي وقد ظهرت عطف القلوب مع البهلوان].

 

عطف القلوب   : هذا ليس وقت الحكايات المثيرة المسلية…
بهلوان: أقسم بعطفك أُمَّاً ورفعتك مولاة..
عطف القلوب   : كنت أتمنى أن تقول لي إنك كنت تحاول التسلية…
بهلوان          : هذا الأمر لا تسلية فيه…
عطف القلوب   : كنت غفرتها لكَ… لكنني  الآن أرتجف خوفاً..
بهلوان          : ويح بهلوان…. أنا ما أروم ألماً لقلبك.. قلت لكِ ما آلمني فيما رأيت فقط…
عطف القلوب   : هُنا؟!

[مشيرة إلى البركة].

بهلوان          : بالتحديد هُنا..

[يشير إلى مكان جلوس ضياء الروح في الليلة الماضية].

عطف القلوب   : أتحب ضياء الروح؟
بهلوان          : مثل روحي.
عطف القلوب   : وتطيعني؟
بهلوان          : مثل أُمي..
عطف القلوب   : لا تقل ما قلت لي لأحد..
بهلوان          : ولن أقوله حتى لك..
عطف القلوب   : بارك الله فيك..
بهلوان          : رضاكِ مولاتي مبتغاي… [يخطف كفها يقبلها]..
  [يظهر ضياء الروح بقميص أبيض هفهاف.  وشعر منثور غير مصفف].
عطف القلوب   : امضِ يا بهلوان.. ولا يدخلن أحد علينا إلا عندما آمر بذلكَ…
ضياء الروح     : أو نأمر بذلكَ…[ تنتبه عطف القلوب لمداخلته].
بهلوان          : أمر مولاتي… أمر مولاي…
  [ينسحب بهلوان…].
ضياء الروح     : أشرقت الأنوار جلالة الوالدة…
عطف القلوب   : بإطلالة وجهكَ وضيائهِ..
  [يتحركان في المكان يجلسان يقومان.. ثم فجأة يتجهان باتجاه البركة… فيلتقيان قبلها].
عطف القلوب   : قُلْ..
ضياء الروح     : سلامتُكْ
  [يفترقان، ثم يلتقيان باتجاه البركة، بصمت يدوران حولها ثم فجأة.. تقف الأم… ويتابع هو الحركة حتى يصبح قبالتها… يلتفت، تنظر إليه، يباغتها بسؤال].
ضياء الروح     : مُري..
عطف القلوب   : بلا تاج؟
ضياء الروح     : يثقل رأسي..
عطف القلوب   : وشعركَ..؟

 

ضياء الروح     : تحب الخيل شعرها والطير يحب ريشه…
عطف القلوب   : وعباءتكَ؟
ضياء الروح     : سجن من حرير لروح تود أن تطير…
عطف القلوب   : وهيبة الملك وجلاله؟
ضياء الروح     : لم تكن هيبتك وجلالك ممتدة من خيوط ثوبك بل من خيوط روحك..
عطف القلوب   : الناس يحبون رؤية هيبة أبيك فيكَ..
ضياء الروح     : ظلوا يرون هيبته وهو ميت… فلماذا لن يروها الآن؟
عطف القلوب   : هفهافة هذه الثياب والصدر عار..
ضياء الروح     : نار الهوى.. أو هواء النار.. تجتاحني… فأحس بدني سيخرج من بدني
عطف القلوب   : الماء قربكَ…[مشيرة إلى البركة].
ضياء الروح     : الماء يا أماه اشعلني…
عطف القلوب   : ولدي الذي أعول عليه  كل آمالي…
ضياء الروح     : أماه.. هل تفهمت حالي…
عطف القلوب   : أُرسل من يحضر تاجك وعباءة الملك… ضعهما إلى جانِبِكَ…
ضياء الروح     : لا تفعلي… فالتاج والعباءة ليسا في القصر..
عطف القلوب   : أين إذن؟!
ضياء الروح     : سرُّ القمر..
عطف القلوب   : ولدي… ماذا دهاكَ..؟
ضياء الروح     : سرُّ القمر..
عطف القلوب   : من ابتلاك؟
ضياء الروح     : سر القمر..
عطف القلوب   : ماذا اعتراك؟
ضياء الروح     : سر القمر..
عطف القلوب   : بل حُمَّى..؟ [تمسك يده اليمنى]..

إنها باردة…

ضياء الروح     : سر القمر…
عطف القلوب   : ناولني الثانية [تحسها….] إنها كالنار..‍!
ضياء الروح     : سر القمر…
  [تجتاحه رعشة ويتصبب عرقاً].
  [تضمه وهي خائفة عليه].
  [تأخذه وتجلسه على أريكة فيهرع إليها بعد أن تصفق بيديها بهلوان ومعه أحد الحرس والخدم].
المجموعة       : مولاتي…
عطف القلوب   : مولانا جلالة الملك متوعك الصحة…

خذوه إلى جناحه… وأنت يا بهلوان نادِ الحكيم حكمة الزمان  وليحضر إلى الجناح في الحال…

المجموعة       : أمر مولاتي…
  [المجموعة تنفذ الأوامر… أحد الخدم يحاول مساعدة ضياء الروح]..
ضياء الروح     : دعني.. من قالَ لكَ بأنني ضعيف؟
عطف القلوب   : خدمتك واجب يا جلالة الملك..
ضياء الروح     : اسبقوني إلى الجناح… سألحق بكم..
  [يخرجون، ويبقى هو وعطف القلوب].
ضياء الروح     : أماه… تقولين شيئاً وتفعلين شيئاً آخر…
عطف القلوب   : أنا.؟! كيف  ياولدي..
ضياء الروح     : تقولين كبرتُ، وتنادينني جلالة الملك، وتعاملينني كالأطفال..
عطف القلوب   : ولدي!
ضياء الروح     : أنا الذي أقرر حالتي واحتياجي…
عطف القلوب   : كنت قبل هنيهة ترتجف مثل عصفور في حضني…
ضياء الروح     : ارتجف متى أشاء، وألجأ إلى حضنك متى أشاء،
عطف القلوب   : ماذا يحدث؟
ضياء الروح     : الرجولة يا جلالة الملكة..
عطف القلوب   : فجأة؟!
ضياء الروح     : فجأة؟!.. تماماً كالملك؛ يهبط تاجه على الرأس فجأة..
عطف القلوب   : ثورة على حضن أمك؟!
ضياء الروح     : بل ثورة الضياء على الروح.. ثورة اليوم على الأمس.. ثورة القوة على الضعف…
عطف القلوب   : الثورة تحتاج الحكمة..
ضياء الروح     : الحكمة… أمرٌ نختلف فيه… ترينها عباءة.. وأراها غير ذلك…
عطف القلوب   : ماذا تراه..؟ سخرية مني وعصياناً لي…

ولدي… أي سرٍ فيك.. ما بك لا تجيب…

  [ينتفض ويمضي خارجاً…].
عطف القلوب   : ولدي..! إلى أين..؟!
ضياء سرُّ القمر..
  [يدخل بهلوان وحكمة الزمان].
بهلوان          : بإذن مولاتي…
حكمة الزمان    : مولاتي… أبلغني بهلوان أمركَ… لكنني ذهبت إلى الجناحَ فلم أجد جلالته…
عطف القلوب   : امضِ أنت يا بهلوان…
بهلوان          : أنا رهن إشارتك…
  [ينسحب].
حكمة الزمان    : مولاتي…
عطف القلوب   : أنجدني بحكمتك…
حكمة الزمان    : فداك النفس…
عطف القلوب   : لم يكن ولدي الذي يحدثني منذ قليل.. لا لم يكن ولدي..
حكمة الزمان    : اهدئي مليكتي… وأخبريني بالذي حدث…
عطف القلوب   : إنه أملي… أمل الملك.. أمل الناس.. وحلم أبيه…
حكمة الزمان    : حماه الله… لا تخيفيني أكثر…
عطف القلوب   : عندما حدثني البهلوان بما حدث معه في الليلة الماضية… لم أصدق…

[تتجه إلى الخارج ويلحق بي حكمة الزمان].

وعندما تحدثت إليه… اجتاحتني الحيرة والخوف…

  [يختفيان].
  [في المساء… يظهر البهلوان]…
  [الحيرة والقلق يبدوان على بهلوان.].
بهلوان          : قلبي غير مطمئن أبداً…

قلبي… يا قلبي… ترى أين يكون مولاي ضياء الروح الآن…؟

قلبي لا يجيب…!؟ قلبي لم لا تجيب…؟ قلبي… [يحاول التركيز مع قلبه]… قلبي لا يدق…!! قلبي لا ينبض…!!! أنا… ميت..!! لا… لا.. لا تمت يا قلب قبل أن أطمئن عليه…

  [يبدأ يقفز ويؤدي الحركات البهلوانية… ثم يتوقف لاهثاً].
بهلوان          : ها… قلبي عاد إلى الحياة… حياة البهلوان مربوطة بألعابه… تمشي على حبل مشدود في الهواء… تبتلع النار وتضع رأسك في فم الوحش… تنزع من الدمعة ضحكة، وتوقظ الحياة من الموت…

لكن… سيدي…

  [يظهر ضياء الروح منهكاً… متسخاً بالطين].
  [بهلوان لا ينتبه بداية لوجوده].
بهلوان          : [متابعاً]… سيدي ومولاي… والذي كنت أجرؤ قبل أيام بعدد أصابع اليدين أن أناديه صديقي.. صديقي الذي صار سيدي فقط، لم يعد كما كان، حتى هو… ضيع صورته التي نعرفها… ويح بهلوان… هل هو تاج الملك وعباءته..؟!
ضياء الروح     : ها أنا عار من تاج الملك وعباءة الحرير…
بهلوان          : مولاي…!! ويح بهلوان…
ضياء الروح     : ألا ترى فيَّ ضياء الروح؟
بهلوان          : روح؟ من..؟
ضياء الروح     : ولم تعد تعرفني…
بهلوان          : بصدق؟!
ضياء الروح     : أهذا سؤال؟!.
بهلوان          : لم أعد أعرفك..
ضياء الروح     : كيف تم هذا التغيير والانقلاب؟
بهلوان          : إنني أسأل السؤال نفسه.
ضياء الروح     : تجلدت الروح أم تبلد القلب أم تراه العقل ذهب؟!!!
بهلوان          : كم أود أن أجهر بهذه الأسئلة..
ضياء الروح     : إذن هي الحقيقة…
الاثنان         : تغيرت..
الاثنان         : ماذا قلت؟..
  [يفترقان… بعد صمت يتوقف ضياء الروح عن التحويم].
ضياء الروح     : تغيرتم جميعاً… تغيرتم حتى صرت الغريب بينكم…
بهلوان          : ويح بهلوان…
ضياء الروح     : مرهم أن يجهزوا الحمَّام.
بهلوان          : والعشاء…
ضياء الروح     : لا أريد طعاماً… بل أريد أن أنام…
بهلوان          : لا طعام!!… وأحسبكَ لا تنام… بإذنك مولاي…
  [يشير له ضياء الروح بيده، يبقى وحيداً… المكان تلفه العتمة، يتلفت ضياء في الأرجاء وفي الفضاء..].
ضياء الروح     : عذابي يزيد الشوق… فأين أنتِ..

مرة واحدة ظهرتِ… سلبت الروح مني وضياء العقل وغبتِ…

أين أنتِ… [ يتجه لبركة الماء] أشعلت الماء، وأطفأت نار الحيرة بضلوعي فاحترقت وما ظهرتِ… ظننت لحظتها أن ما أخذته كان التاج والعباءة… فعرفت أنني صرت رهينة لديك… عودي مرة… وخذي ما تبقى مني… فما عاد لما تبقى أي معنى…

  [يظهر القمر في فضاء المكان فينعكس على صفحة ماء البركة].
ضياء الروح     : … جئتِ… جئتِ [ يخوّض في البركة]

… ماءٌ أنت الآن… ماء كما كنت مذ عرفتك… مرة واحدة صرت حياة وناراً حين كانت فيك سر القمر…

[ينظر إلى القمر]….ستتبدى بدراً أيها القمر…

وتغمر الدنيا بضيائكَ الذي أتمنى أن لا تجلدني به غداً… رحماك أيها القمر…

ص.بهلوان      : مولاي…
ضياء الروح     : صمتاً….

[يجرجر نفسه باتجاه الداخل. ويكتمل الإعتمام ].

  [كما الانفجار الضوئي في طرف الباحة من ناحية المداخل نرى فيه ضياء الروح يقفز قفزة كبيرة فيما نسمع صوت سر القمر وقد ظهرت جزئياً… الضوء خاطف… والمشهدية سريعة].
سر القمر       : تعال إذن عند اكتمال البدر… سِر القمر قد تجلَّى تماماً..
 

التجلي الرابع

(يوم العرس)

 

[موسيقى الفرح وحركة الخدم يجهزون للعرس، عطف القلوب ِنفسها تشرف على التجهيزات].

 

عطف القلوب   : بهلوان…
بهلوان          : أمر مولاتي…
عطف القلوب   : أما زال نائماً؟
بهلوان          : جناحه مغلق… ولم أسمع له حِساً أو حركة منذ الفجر..
عطف القلوب   : هدّه التعب…!!! واسترخى بحمامه… فنام أخيراً… الحمد لله…
بهلوان          : رفض أن يقوم الخدم على حمامه… وقد كانوا حسب تعليماتك قد هيأوا كل شيء لحمام العريس..
عطف القلوب   : مُر له بالمزين… ـ وليضع التاج الجديد والعباءة الجديدة عليه ـ.
بهلوان          : أمر مولاتي.
عطف القلوب   : ولا يعلمنَّ أحدٌّ عن حالتهِ…
بهلوان          : أمر مولاتي…
عطف القلوب   : اذهب الآن…
بهلوان          : في الحال مولاتي…
عطف القلوب   : بهلوان… دع كل شيء لي… تابع التجهيز مع كبير الخدم.. وأنا أذهب إلى الملك ضياء الروح…
  [يظهر بزينة كاملة وحالة من الانتعاش والحيوية].
ضياء الروح     : أنا من يأتيكِ؟
عطف القلوب   : بُني!!
  [الخدم يعملون وهم يلقون نظرات الإعجاب… يصطدم بعضهم ببعض، بهلوان يسرع مندهشاً يدور حول ضياء الروح].

 

 

ضياء الروح     :  صباح الخير… وخير صباح… وقبلة الطاعة على جبين الملكة الوالدة…
  [يقبلها علىجبينها]، [هي ما زالت مصابة بشيء من الذهول].
عطف القلوب   : كل بشائر الخير في طلعتك… وكل الحبور في طلتك… والروح ترقص لفرحتين في يوم واحد…

لكن قل لي.. نمتَ جيداً؟

ضياء الروح     : راحتي في راحة روحي لا في إغماضة الجفن وموت البدن…
عطف القلوب   : أتناولت إفطارك أم..؟
ضياء الروح     : ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان..
عطف القلوب   : فمن أعانك في التزين واللباس؟!
ضياء الروح     : توقي لاكتمال البدر….
حاجب          : مولاتي حكمة الزمان يطلب الإذن…
عطف القلوب   : في الحال… ليدخل…
  [يخرج الحاجب ويدخل حكمة الزمان].
عطف القلوب   : استئذان وانتظار في غير محلهما.
حكمة الزمان    : إنه ارتباك الشيوخ حين يختم أبناؤهم صفحة حياتهم بالكهولة… وهيبة الملوك تزداد حين نقترب نحن البسطاء منهم بالنسب. كل الاحترام  للمليك المبجل..
ضياء الروح     : أهلاً بمن طوقني بالعلم والأدب… وأكرمني بالنسب…
حكمة الزمان    : أستغفر الله… لكن أي إشراق أرى فريداً على بهائكم الدائم…
ضياء الروح     : التوق لاكتمال القمر…
عطف القلوب   : ما أخبار عروسنا…؟
حكمة الزمان    : مجللة با لخفر، مزينة كالقمر، لا أسعد منها في الكون بين بنات حواء، بانتظار اكتمال سعدها الليلة…
عطف القلوب   : لا تزد حتى تظل بهجتها مفاجأة للعريس…
  [يتجه ضياء الروح للبركة] [يجلس على حافتها يداعب الماء].
ضياء الروح     : جاءت معذبتي في غيهب الغسقِ

كأنها الكوكب الدري في الأفقِ

فقلتُ نورتني يا خير زائرةٍ

أما خشيتِ من الحراسِ في الطرقِ

فجاوبتني ودمع العين يسبقها

من يركب البحر لا يخشى من الغرقِ

عطف القلوب   : هو الهوى يفتح نافذة القلب على مهبِ الشعرِ.
حكمة الزمان    : هو الهوى نبض يلاعب أوتار القلب فيضج بالموسيقى.
ضياء الروح     : هو الهوى نار أطيب من نسيم المساء لا يعرف طيب طعمها إلا العاشق المغرم..
حكمة الزمان    : هذه حكمة ما علمتها جلالتكم وما حواها عِلمنا
عطف القلوب   :  فمن أي نبع نهلت هذه المعرفة… أم ستجعل ذلك سراً…
ضياء الروح     : إنه سرُّ القمر…
ص.سر القمر   : عند اكتمال البدر… تجلَّ فيتجلى لك سر القمر…
ضياء الروح     : اكتمل البدر… فأين…؟
  [يحتاران في حديثه لنفسه].
ص.سر القمر   : ابحث عني في ماءِ نارك..
ضياء الروح     : في ماءِ ناري! [يرتجف].
عطف القلوب   : ولدي!!
حكمة الزمان    : مولاي… أفصح.
ضياء الروح     : أسمعها…. إنها تناديني… تعال..
حكمة الزمان    : إنها الفرحة..
ضياء الروح     : الفرحة..! سر الفرحة.
عطف القلوب   : لا أفهم شيئاً… أي فرحة وهو يرتجف كالمحموم.
حكمة الزمان    : ليست مظاهر حُمى جسد، إنها حُمى روحٍ تستشرف أُفقاً جديداً
ضياء الروح     : في الأفق الجديد قمرٌ… له من الأسرار… ما ليس  لكل أقمار الدُّنى… إنه قمري… وسره سري…
  [يحضنانه… فيفلت]..
ضياء الروح     : ماعاد جسدي طفلاً في حضن أمي أو في حضن مُعلمي…
حكمة الزمان    : دعيه مولاتي إنه يفور كالنبع الحار…
عطف القلوب   : دعنا من هذا يا ولدي… وقل لنا رأيك في تجهيزات الليلة….
ضياء الروح     : هذه لكم… وأنا لي اكتمال البدر وسر القمر…
حكمة الزمان    : صدقت يا مولاتي…

فالعروس للعريس والجري للمتاعيس..

  [فجأة يضحك ضياء الروح… فيضحكان… ويمضي هو إلى الخارج، تهم عطف القلوب بإيقافه، فيمنعها بلطف حكمة الزمان… يدخلان باتجاه داخل القصر…].
  [يدخل البهلوان ومجموعة الخدم يحملون زينات وأطباقاً يزينون بها المكان فيما يدخل الجوق الشعبي معه].
الموسيقي اختر لنا مكاناً لائقاً بمستوانا يا بهلوان…
بهلوان          : لا تطلب هذا الطلب حتى لا ألقي بك خارج المكان..

 

الموسيقي سوف أشكوك إلى زميلنا القانونجي ليقطع منك اللسان.
بهلوان          : أتصدق يا دربكجي؟! لقد ظللت أسمع بزمان الشقلبة… ولا أعرفه حتى رأيته الآن…
  [تعلو الموسيقى ويضج المكان].
 

التجلي الخامس

(فــي الغابـــة)

 

[ضياء الروح… يجري بين الأشجار وقد هده التعب والإرهاق… وتجري أمامه سر القمر.. وتقفز داخل بركة طين ساخن… بين الأشجار الملتفة وتختفي وتبقى ضحكتها مسموعة فيخالها من البركة… يقفز ضياء الروح في البركة، فيتناثر فجأة منها الطين… ويبدأ ضياء الروح بالتمرغ في وحلها وسط بخارها الكبريتي].

 

ضياء الروح     : رائق شعرك في الماء يا حوريتي…
ص.سر القمر   : تجلَّ أكثر يا ضياء الروح..
ضياء الروح     : أي طيب يفوح من ماء البركة، كأنها بركة للياسمين؟‍‍!
ص.سر القمر   : تجلَّ أكثر يا ضياء الروح.
ضياء الروح     : كيف اختصرت نساء العالم في جسدك الناري..؟
ص.سر القمر   : إنني سرُّ القمر..
ضياء الروح     : كأنني منذ كنت.. كنت في انتظارك..
ص.سر القمر   : أنا من جاءت إليك… وانتزعتك من ثلج الوحدة..
ضياء الروح     : وألقيتني في نارك..
ص.سر القمر   : جربتَ احتراق الثلج..؟!
ضياء الروح     : ما فائدة الثلج بلانار..؟
ص.سر القمر   : تجلَّ أكثر يا ضياء الروح..
ضياء الروح     : خذيني أكثر يا سرَّ القمر… إنني أحبكِّ فاشربي دمي… واحترقي..
ص.سر القمر   : بلا نار..
الاثنان         : بلا نار… بلا نار…  بلا نار… بلا نار…
  [تهدأ الحركة فجأة… يقف ضياء الروح ملطخاً بالطين].
ضياء الروح     : بلا نار… أين ذهبتِ..؟ سأبحث عنكِ حتى تنطفئَ ناري….
  [يجري هائماً حيى يختفي].

التجلي السادس

( ليلــــة العــرس )

[في باحة القصر

وقد انصرف الجمع المحتفل ولم يحضر الملك ضياء الروح، وخيَّم الوجوم على الجميع، فرط الرمان تبكي حزينة… وعطف القلوب تحاول مواساتها… بينما فرقة الموسيقى الشعبية في ركن تعزف ألحاناً مالت إلى الشجن والحزن].

 

الموسيقي       : قل لي يا بهلوان… ما الذي عكر صفو الليلة الكبيرة؟
بهلوان          : تابع العزف… ولا تحشر أنفك فيما لا يخصك..
الموسيقي       : ما رأيك أن ألاعب اللحن عله يفك كربة القلوب.
بهلوان          : ابتلع لسانك وإلا لاعب السوط جلدكَ.
عطف القلوب   : تجملي يا فرط الرمان….  يا عروسةً ما رأت الأرض عروساً مثلها.
فرط الرمان      : أتجمل…!؟ أنا العروس التي ما شهدت الأرض فعلاً مثلها في الخيبة وقلة الحظ…
حكمة الزمان    : فرط الرمان! لا تفقدي في المحنة أعصابك فيغيب عن لسانك الأدب وتنطفئ في عينيكِ شمعة  الحياء..
عطف القلوب   : دعها يا حكيمنا.. فالبوح يخفف تعب الروح…
حكمة الزمان    : والمؤمنون أشد بلوى.
فرط الرمان      : الأفضل أن تأخذني إلى البيت… فلا أظنني اليوم قادرة على التجمل بكل ما تطلب مني…
عطف القلوب   : جناحك الملكي جاهز والوصيفات بانتظار تشريفك له.
فرط الرمان      : وحشة المكان الذي لم آلفه ستزيد من وجعي..
حكمة الزمان    : إنه بيتك.
فرط الرمان      : وأين مفتاحه..؟! كل الخلق جاءت وغاب هو.
عطف القلوب   : لا تزيدي الهم يا بنيتي، فأنت تقلقين على زوج لا يضيرك إن لم يعد… اللهم إلا ألم السؤال أمام الناس، أما أنا فإن غيابه غياب الولد.. غياب الروح… غياب مبعث الحياة فماذا أقول؟!
حكمة الزمان    : مولاتي الغائب حجته في كمه…

ولقد أرسلنا فرقاً من فرساننا تبحث حتى حدود الدولة فما رد منها أحدٌ حتى اللحظة.

فرط الرمان قلبي يحدثني بأن هذا الحب الذي ما عرفته إلاَّ منذ خطبت لضياء الروح.. نارٌ… تحرق كل من يلامسها.. وأنا مثل فراشة تعشق  نور نارها… فأذنا لي أدفن نفسي في شرنقة العتم… لا أبغي ضياءً ولا ناراً…
  [يدخل ضياء الروح بكل ما لحق به من طين الهيئة ووعثاء التجربة].
بهلوان          : مولاي ضياء الروح…
عطف القلوب   : ولدي… أقلقتنا عليك…
حكمة الزمان    : عودتك سالماً تنهي كل خوف وتهزم كلما واجهت من مخاطر.
عطف القلوب   : غيابك… إن كان عارض غيبك فالعذر لك… أما إذا ـ
حكمة الزمان    : مولاتي، ضياء الروح عاد…
عطف القلوب   : وهيبته في مهب الريح أمام الذين جاؤوا عرسه فغاب هو عنه.. عروسك ما زالت في الانتظار… فاقترب منها …  فهي أولى في تقبل الاعتذار… أما أنت يا فرط الرمان بعد اعتذاره… لك وحدك أن تقرري إن أردت البقاء سيدة لملكه…
  [يقترب ضياء الروح من فرط الرمان]
حكمة الزمان    : هنأكما الله وأبعد عنكما كل حاسد.
عطف القلوب   : [وقد اطمأنت قليلاً] اصعدا لجناحكما…
فرط الرمان      : بل إذنوا لنا بالبقاء هُنا وحدنا…
  [عطف القلوب وحكمة الزمان يتبادلان نظرات الارتياح].
عطف القلوب   : يا بهلوان مُرِ الجوق بالمغادرة…
  [ضياء الروح يرفع كفه معترضاً… ويشير لبهلوان بأن يتابعوا].
عطف القلوب   : …. فليكن….
  [يخرج حكمة الزمان برفقة عطف القلوب فيما تتابع الفرقة عزفها، مع الترنيم ببعض الغناء، تخلع فرط الرمان الطرحة ولوازم العرس، وتخلع نعلها… وتجلس على حافة  البركة يتردد ضياء الروح في اللحاق بها.. تنظر إليه وتومئ لـه بالاقتراب…. فيقترب].
فرط الرمان      : عجيب زواج الملوك!! العروسان على بركة الماء!!

… عرس بلا عريس!! وعروس بلا طرحة!! وموسيقى بلا فرحة!!

ما الذي أزرى هيئتك هكذا…؟! ما الذي عفرك ..؟!

ضياء الروح     : … أنا…[صمت طويل].
فرط الرمان      : صارعت وحش الغاب؟
  [يجيب بحركات نفي وحركات موافقة، الحيرة تربكه].
فرط الرمان      : أم زرت وكراً للذئاب؟

أم أنك نفخت الكور للحداد..؟ أو لربما جربت سراً…

ضياء الروح     : … أنتِ…
فرط الرمان      : أنتِ … أنا امتحانك أو امتحاني أنت… وما اعتدت كما رباني حكمة الزمان أن أكون إلا امرأة تتجاوز الحد إلى حد الحلم… وأنت الآن تثير فيَّ فضولاً  أكثر مما يثيره مُلككَ.. أنت الآن تتجاوز الحد… فأذهب خلفك حتى الجنون…
ضياء الروح     : هل تفهمين؟!
فرط الرمان      : ربما تجاوزت الآن حد الفهم إلى حد الشعور… فَبُحْ…
ضياء الروح     : كنت مع أخُرى..
فرط الرمان      : هكذا لن أغار من امرأة لا تترك فيك أثر عطرها…

أو أثراً من قبلتها… أو على الأقل فلتترك في عينيك سرها…

ضياء الروح     : هذا هو… سرها…
فرط الرمان      : أفلا أراهُ فيكَ..؟!
ضياء الروح     : لست أدري… كنت أحسبها على كفي حتى وصلت هُنا…
فرط الرمان      : وطارت؟!
ضياء الروح     : بل قولي غابت… فالقمر لا يطير…
فرط الرمان      : القمر…!؟!
ضياء الروح     : لا أعني القمر… بل أعني سره..
فرط الرمان      : أين منك أنا؟
ضياء الروح     : … ما فكرت يوماً بحبك… بل جاءني مرسوماً ملكياً… طرت به على جناح الفكرة… فصرت أفكر فيك… لكن  جناحاً آخر رفرف بي بعيداً… فطار مني القلب خلفه… هُنا… أحسُّ بأنني أحببتك فعلاً… حباً تسلل إليَّ شيئاً فشيئاً… وهناك أحسُّ بأنني مربوط إلى كوكبة خيل وحشية تجرني خلفها.. أجري… أجري… أجري حتى يرميني التعب….
فرط الرمان      : [تأخذ رأسه على كتفها] ارمِ على كتفي تعبك..
ضياء الروح     : أريد أن أنام…
فرط الرمان      : هلمَّ إلى جناحنا…
ضياء الروح     : والموسيقى….
فرط الرمان      : [للفرقة] تعالوا اعزفوا تحت شباكنا… اعزفوا لروحه حتى تنام.
  [يتحركان وخلفهما الفرقة تعزف ألحانها…].
 

 

التجلي السابع

(طرد الأسود من البدن).

(في باحة القصر بعد مدة)

 

[الباحة تعج بالبخور والشموع على غير العادة… تدخل عطف القلوب وخلفها حكمة الزمان].

 

عطف القلوب   : هكذا إذن… كان ضياء الروح كل يوم يذهب إلى ذلك الغاب؟!
حكمة الزمان    : يحثو على بدنه التراب ويستجدي النار من مستنقع للماء… ويعود منهكاً كل ليلة… يلقي بنفسه في حضن فرط الرمان… يبكي على نفسه، وتبكي هي عليهما…
عطف القلوب   : ويلي عليها عروسنا التي ما زالت حتى اليوم بكرا..
حكمة الزمان    : لا تخافي عليها… فقد ألهمها الله صبرها… لكن خافي علينا ونحن لا نجد جواباً لسؤال الشعب الذي يكبر كل يوم عن سر غيبته عنهم…
عطف القلوب   : ويلي عليه وقد رمته الكهولة فصار مثل إنسان طالع للتو  من عالم الكهوف… ماذا أصابك يا ولدي؟!
حكمة الزمان    : الجن لا تدع الإنس تصفو، وإنني اليوم حتماً طاردها من جسده وروحه…
  [تدخل فرط الرمان].
فرط الرمان      : دعوه… معذبة روحه بالهوى… معذب بدنه بروحه.. يبحث عن ناره في مائه… وأنا ماء تطفئ ناره… فأين العقل… كي يحل لغزاً… أنا المرأة في حياته…. روحاً…. ويبحث عن جسدٍ في غيري…
عطف القلوب   : بنيتي… ترفقي بنفسك…
حكمة الزمان    : مولاتي خذيها معك إلى الداخل… فقريباً يأتي مولانا وأنا قد جهزت كل شيء… سأطرد الروح الشريرة التي تعكر صفوه وصفو حياتنا…
فرط الرمان      : أبي [تذهبان] فليبق هكذا… يكفيه ما تشظت إليه الروح…
  [يدخل ضياء الروح في الحالة التي يعود بها عادة…].
  [يشير حكمة الزمان فتبدأ فرقة الموسيقى تعزف موسيقى الدروشة والوصل].
  [يختفي حكمة الزمان].
  [يظهر طيف لامرأة راقصه].
  [ضياء الروح يندفع باتجاه طيف المرأة، يضيعه يبحث في اتجاه آخر، فيظهر الطيف من زاوية أُخرى… يجري هُنا وهُناكَ… حتى ينهكه التعب فيرتمي أرضاً وهو يلهث… وقد اختلط تعبه الجسدي بنشيج مُرٍ نابعٍ من أعماق صدره يبدو وكأنه يزفر زفرات الموت… يقترب الطيف منه وقد حمل الطيف على رأسه طبقاً كبيراً مملوءاً بالشموع المشتعلة، وقد تصاعد من ذلكَ الطبق أيضاً بخور كثيف الدخان… يحاول ضياء الروح الوقوف أمام الطيف. فيجثو مرتجفاً… مرتعشاً… وهو ينطق أشياء غير مفهومه… لا يفهم منها إلا كلمة سِر وكلمة قمر…

يرقص الطيف حول ضياء الروح… مما يربك الأخير، فيسقط في البركة حينها تتصاعد إيقاعات الدروشة، وتنطلق صوتيات الفرقة الشعبية بترانيم وتراتيل مصوتة غير منطوقة كلاماً.. فيما يبدأ الطيف حينها بإنزال طبق الشموع عن رأسه، وينضم حكمة الزمان إليه مطلقاً مصوتاته الترنيمية، ويبدأ بإلقاء الشموع مشتعلة في البركة صوب ضياء الروح الذي يصرخ كلما سقطت شمعة عليه]…

  [الطيف يرقص بجنون حوله].
حكمة الزمان    : هذه تحرق أعداءك..
ضياء الروح     : آخ…
حكمة الزمان    : وهذه تجمع أشلاءكَ.
ضياء الروح     : آخ…
حكمة الزمان    : هذه لطهارة روحك.
ضياء الروح     : آخ…
حكمة الزمان    : وهذه لتداوي جروحك.
ضياء الروح     : آخ…
حكمة الزمان    : هذه تخرج روح الشر..
ضياء الروح     : آخ…
حكمة الزمان    : وهذه ترميها في البحر.
ضياء الروح     : آخ…
حكمة الزمان    : هذه تنقذ كل قلوعكَ
ضياء الروح     : آخ…
حكمة الزمان    : وهذه توصلها للبر…
ضياء الروح     : آخ…
حكمة الزمان    : يا جن على نفسك تجني
ضياء الروح     : آخ…
حكمة الزمان    : اخرج من روحي ومن بدني
ضياء الروح     : آخ…
  [يصرخ ضياء الروح صرخة عظيمة، تهب فوراً من  البركة ألسنة اللهب، وتصعد النار إلى الأعلى مغادرة البركة كتلة واحدة… وقد ظهر فيها جسدٌ أسود على شكل خيال داخل كتلة اللهب].
  [لحظة صمت… تسكت فيها كل الأصوات… ويقطعها صوت بكاء ـ نشيج مُر من البهلوان الذي لعب طوال الوقت دور الطيف الحامل طبق الشموع].
حكمة الزمان    : كف عن البكاء يا ولدي…
بهلوان          : لقد احترق…
حكمة الزمان    : بل تطهر..
بهلوان          : بل تبخر…
حكمة الزمان    : انظر إليه جيداً…
بهلوان          : ما زال مولاي.
حكمة الزمان    : بعد هنيهة يفيق… وهو لا يدري أي شيء قد حدث لـه، فلا تعلمه وإلا… حينها سيحترق…
بهلوان          : سلمت حكمتكَ…
حكمة الزمان    : أزل ما عليك من لباس وألوان…

وأنتم [للموسيقيين] فليصحُ مولانا مع أعذب الألحان…

  [يخرج بهلوان أولاً يتخلص مما كان عليه ليبدو طيف امرأة، وتعزف الفرقة أنغامها ويغادر حكمة الزمان… ثم يعود البهلوان ويجلس على حافة البركة.].
  [يبدأ ضياء الروح بالاستيقاظ ويظهر من البركة راقصاً… حتى يخرج باتجاه القصر إلى الداخل]…
  [بهلوان والفرقة الشعبية الموسيقية يخرجون ويخلون المكان].
 

 

التجلي الثامن

( تجلي العاشقة )

 

 

[في الجناح الملكي، حيث مخدع ضياء الروح].

 

فرط الرمان      : بارق الخير ألقى بك الليلةَ هُنا..
ضياء الروح     : أنا لم أغب حتى تقولي ذلك..
فرط الرمان      : اشتاقتك الوسادة وتفاصيل فرط الرمان.
ضياء الروح     : وأنا أحس كما لو أنني الليلة عرسي…
فرط الرمان      : وأنا أحسُّ كما لو أنني لم أصبح عروساً…

 

 

ضياء الروح     : مبالغة في الهوى… دائمة المبالغة أنتِ..
فرط الرمان      : مبالغة في الشوق تحمل ضدها..
ضياء الروح     : مسكونة بألغاز الأنوثة هذه الليلة..
فرط الرمان      : كلنا مسكونون بمن يهوى وبما يحب…
ضياء الروح     : أنا لا يسكنني شيءٌ إلاَّكِ…
فرط الرمان      : هل أكتب ذلك في صك مختوم؟
ضياء الروح     : هذا إعلاني الأهم في حياتي…
فرط الرمان      : أحببتك منذ رأيتك أول مرة…
ضياء الروح     : ياه!!… ذاك كان وأنتِ…
فرط الرمان      : في الثامنة من عمري…
ضياء الروح     : عصفورة صغيرة لم تدرك أحلام النساء فكيف…؟!
فرط الرمان      : هالني ما رأيت فيك… أثارني… فجر الإعجاب في داخلي… عدت إلى بيتنا وظللت أحدث أبي بكل ما رأيتُ وأحسستُ… ضحك يومها.. قال وحدتي جعلتني أعجب بالولد الذي رأيت… فلا أخ لي…
ضياء الروح     : معه حق.. فلو كان شيئاً آخر لأحسسته أنا… فلقد جئت مع أبيكِ يومها… علمني ورعاني… وكنت معه… لكنني ما التفت لوجودكِ.
فرط الرمان      : هكذا هم الملوك دائماً مغلقة مصاريع الرؤى عندهم بالجلد والحديد…
ضياء الروح     : ولكنهم يحبون…
فرط الرمان      : أجل… كما يحب الطفل طيره المحبوس في قفص… أو دميته التي يستطيع أن يحضنها متى شاء… ويستطيع أن يعاقبها… وربما يرمي بها بعيداً حينما يشاء…
ضياء الروح     : أثارني هذا الذي تقولين، لكن كيف أحببتني حينها…
فرط الرمان      : أحببتك بعدها.. فحينها أحببت في هذا التوحد.. فأنت تحيا لذاتك…. والكل حولك عابر إلا من يأخذ بيدك نحوكَ… ملفعاً بالغموض صرت.. غامض جميل… غامض ملكي… أحببت ذلك الغامض ولفعته بالصمت…
ضياء الروح     : أثقلوني بملك قادم، وخففوني من طفولتي وصباي…. أنا ما عرفت كيف يعشق الصغار… كيف…؟ احكِ لي..
فرط الرمان      : نار من العطر تشعل عود ندٍ أخضر، تغمرك بالرعشة والعرق تفضحك رائحتك ونظرة العين.. تبكي من خفر ومن حذر ومن حبٍ لا تعرف كنهه… رسالة سماوية تنداح فوق رأس نبي صغير… فأي الرواسي ستبقى ثابتة حينها؟
ضياء الروح     : لولا أنني أعرف لغة من علمني…لحرت الآن فيما أسمع…
فرط الرمان      : هل تحبني…؟
ضياء الروح     : ها…؟! غريب أمرك كم يحتل الحبُّ من رأسك!

 

 

فرط الرمان      : منذورة له أنا… منذورة بلا سؤال… فلا تخف أن أتركه إذا أجبت بلا…، أتحبني…؟!
ضياء الروح     : يا مليكتي وسيدة وقتي يا ابنة الرجل الذي جعل مني ملكاً…
فرط الرمان      : أتحبني…؟
ضياء الروح     : أحبك..
فرط الرمان      : أتحبني..؟
ضياء الروح     : أحبك..
فرط الرمان      : أحبك… وأنت.
ضياء الروح     : أحبكِ… وأنت.
  [يغمرها فيض من مشاعر الحب فيقفزان ويضحكان يتعانقان ويرقصان].
فرط الرمان      : عفو مولاي وحبي… أغيب عنك دقيقة وأعود… لترى مني مالم تره من قبل…
ضياء الروح     : لا تتركيني وحدي
فرط الرمان      : تخاف..؟

 

 

ضياء الروح     : لست أدرك ما الذي يجعلني كذلك!
فرط الرمان      : الخوف من فقدان الحب.. لا تخف أنا أحبك وأنت..
ضياء الروح     : أحبك…
فرط الرمان      : أعود في الحال..
ضياء الروح     : لا تطيلي الغياب..
  [تذهب فرط الرمان ويبقى ضياء الروح وحيداً…يتمشى في المكان… يبدو متوتراً قليلاً].
  [أصوات هسيس وحفيف أشجار… ثم يتبدى ضوء القمر في المكان، فيزداد توتره ليتحول إلى اضطراب].
ص.سر القمر   : تعالَ إلى سِر القمر… اقتحم ذاك الذي يطفئ نارك بناره.. تجلَّ أكثر يا ضياء الروح..
ضياء الروح     : سر القمر… حبيبتي

ـ [يبدو كالمسحور مذهولاً ثم يجري خارجاً، فيختفي ويختفي معه ضوء القمر الذي غمر المكان].

  [تعود فرط الرمان وقد ارتدت غلالة نوم شفافة، تكشف المفاتن.. حاملة شمعداناً بيدها… تنظر في المكان فلا تجد ضياء الروح… تبحث عنه هُنا وهناك… وهي تردد اسمه منغماً…].
فرط الرمان      : عجيب أنت أيها الحبيب… جلف… جامد… وفجأة ترقُ… تملأ الروح ضياءً وفجأة تغيب…
  [تجلس مع شموعها ساهمةً… يدخل المكان رجل ملفع بالسواد، يقفز برشاقة خلفها دون أن يصدر صوتاً… عيناها تلمعان بإحساس اقتراب الحبيب منها.. يضع يده على شعرها يعابثه…].
فرط الرمان      : خفت أن تبقيني وحيدة من جديد… ما عدت أحتمل الوحدة… فما روحي روح ملاك ولا بدني حديد… لك كل هذا التجلي… فاصعد به إلى ذراك… فأنا ملك لك فكن كما أشتهي… أكن كما تريد… مابك لا تقول شيئاً… رغم إحساسي بأنفاسك تنفذ لهباً خلف ظهري فاقترب يا منية النفس… فما أنا إلا فرط رمانك… لؤلؤي سيتدحرج فوق كفيك وسُكري سوف ينساب على شفتيك….
  [تلتفت إليه… تدهش مما ترى… تهم بالصراخ فتكتم صرختها… تتراجع للخلف خطوات فيتقدم نحوها.. يمد يده لها… تتردد.. ثم تمنحه يدها.. يقتربان أكثر أحدهما من الآخر يغمرها ويضمها إلى صدره فيعم المكان إعتام وظلام].

 

ÙÙÙ

 

 

 

 

 

التجلي التاسع

(هزة الخيانة)

 

[في القصر ـ الباحة]

[عطف القلوب تدخل متوترة وخلفها بهلوان].  

 

عطف القلوب   : لا تعد لي وصف ما حدث يا بهلوان، فإن لي قلب أمٍ هل نسيت، كنت بلهاء حين وافقت أن يتم طرد الروح الشريرة من جسدِ ولدي، وهاهي النتيجة… ولدي لم يعد ولدي… وعرضنا صار للدنس مراحاً…
بهلوان          : أنا ما قصدت مولاتي أن أشعل النار في قلبكِ…لكنني ماعدت قادراً على رؤية ما يحدث…
عطف القلوب   : تأخر حكمة الزمان..
بهلوان          : بل هو على وصول…. لكنها السن ربما أبطأته..
  [حكمة الزمان يدخل].
حكمة الزمان    : لا شيء إطلاقاً يبطؤني عن تلبية مولاتي حتى لو كانت قدمي قد نزلت حفرة الراحة الأخيرة… مريني…
بهلوان          : أخرج مولاتي فأذني لي…
عطف القلوب   : بل ابقّ هنا فأنت واحد منا وماكنت يوماً إلا مجلبة للطيب بيننا…

فسبحان الله..

حكمة الزمان    : هوني عليكِ يا مولاتي… فما قط دنا منكم إلاَّ من يليق به وبأخلاقه أن يكون كذلك قريباً…
عطف القلوب   : لا يا حكمة الزمان… فاتت هذه على حكمتك…
حكمة الزمان    : لغة جديدة في الخطاب بيننا يا مولاتي…
عطف القلوب   : لغة فرضتها الطعنات الموجعة التي تسببتم بها لشرفنا ولروحنا..
حكمة الزمان    : اطلبي سياف القصر وليرق دمي عند قدميكِ إن فعلت…
عطف القلوب   : لست من يغسل الشرف بدم العار…
حكمة الزمان    : أنسحب يا مولاتي… بإذنك…
عطف القلوب   : لماذا… هل خجلت..؟
حكمة الزمان    : بل حزنت لأنني أتسبب لمولاتي بالخروج على هيبتها وحكمتها وعطفها… وحتى لا أتسبب لك بأكثر من ذلك… أنسحب… وأحتفظ لك بالصورة التي أعرفها فيك منذ عشرات السنين…
عطف القلوب   : حريصٌ على صورتي… وحكمتي… وقلبي..!! لماذا مزقت ولدي..؟ ابقَ…
حكمة الزمان    : أنا لم أمزقه… بل وحدته… ضياء الروح كان مسكوناً وأنا خلصته… ولقد رأى البهلوان كيف احترق قرينه وطار في الهواء كتلة من نار…
عطف القلوب   : لكنه منذها ما عاد ولدي الذي أعرفه…
حكمة الزمان    : أعترف بأن ذلك العلاج لم يصب الهدف…
عطف القلوب   : بل اعترف بأنه ضرب أشياء كثيرة… في حياة ولدي… فهو ما زال كل يوم يفر  باتجاه الغابة… كأن به مَساً… يلقي نفسه في مستنقعات الطين الساخنة المنبعثة من غضب الأرض..
حكمة الزمان    : وهذا ما دفعني لذلك العلاج… لكن حكمتي خابت…
عطف القلوب   : وهناكَ ما هو أمرُّ يا حكيم.
حكمة الزمان    : سأبذل كل ما بوسعي لرأب ما تصدع.
عطف القلوب   : الأمرُّ الذي أعنيه لا يمكن لأحدٍ أن يرأب صدعه..
حكمة الزمان    : لم أفهم.
عطف القلوب   : ابنتك فرط الرمان.
حكمة الزمان    : مابها [ملهوفاً].
عطف القلوب   : مابكَ… يكاد قلبكَ يفر من صدركَ لهفة؟
حكمة الزمان    : فلذةالكبد  وحبة العين.
عطف القلوب   : تلك التي تعيث بشرفنا…
حكمة الزمان    : مولاتي..
عطف القلوب   : تلك التي تمرغ عفتنا…
حكمة الزمان    : كفى… بربك…
عطف القلوب   : تلك التي…
حكمة الزمان    : تلك التي لم يفلح ولدكَ في أن يكون بعلاً صالحاً لها… ويتركها كل ليلة ليتمرغ في طينه… تلك التي لم تعرف الرجل كما تعرفه المتزوجات… مابها..؟ ارحميها… فرط الزمان…
عطف القلوب   : خائنة…
حكمة الزمان    : ماذا؟!
عطف القلوب   : قل له يا بهلوان.
بهلوان          : فلتعذرني مولاتي… ذلكَ أصعب علي من ذبحي من الوريد..
عطف القلوب   : قل فإن السكين التي تشعر بها تذبحك من الوريد… تمزق أحشائي كل ليلة… حين يعبر الدنسُ  باب طهارتها… ليلطخ بآهات الخيانة عفتنا وطهرنا..
حكمة الزمان    : ما الذي تتكلمين عنه بالضبط؟
بهلوان          : سيدي… إن ابنتكم فرط الرمان… قد فرطت رمانها.. بين يدي رجل آخر…
حكمة الزمان    : مستحيل..! هذا اتهام غير صحيح..
بهلوان          : صحيح  أن مولاي يغادرها ولا يدخل مخدعها.. إلا أنها تستقبل رجلاً آخر كل يوم…
عطف القلوب   : تستقبل متشرداً ملفعاً بغموض السواد… غراب البين… يتسلل كل يومٍ إليها…
حكمة الزمان    : من أين يأتي..؟ والحرس…
عطف القلوب   : أغلقنا كل المنافذ.. إلا أنه كان يأتيها… ولا نراه… يأتيها ويمضي تاركاً أثره خلفه… حتى يمعن في إهانتنا…
حكمة الزمان    : وفرط الرمان…

 

 

عطف القلوب   : يعلو غناؤها بشجي الكلام بعد أن يغادرها..
حكمة الزمان    : هذا ادعاءٌ لا بينة عليه… والأشرف لي ولشيبتي… أن آخذ ابنتي إلى بيتي… فما نحن بمستوى نسب الملوك، إن حدثت خيانة… رحنا لها الضحية…
عطف القلوب   : حسناً تفعل إذ تأخذها بعيداً عنا… فأنت أولى بعارها…
حكمة الزمان    :  لاعار يمكن أن تصنعه كفا ابنتي… ولا تنسي بأنني ربيت الاثنين… وسقيتهما من النبع ذاته…
  [يبدأ صوت فرط الرمان وهي تغني يتسلل ويبدو أوضح].
ص.فرط الرمان  : [تغني] أطفئ لظى القلب بكأس الرضاب.

فإنما الأيام مثل السحاب

وعيشنا طيف خيال

فنل حظكَ منه قبل فوت الزمان.

عطف القلوب   : هل سمعت… هل هذا الغناء غناء مكروب بالوحدة…
حكمة الزمان    : لا تلقِ التهم جزافاً… أنا منسحب…
عطف القلوب   : امضِ يا بهلوان وأره المنديل الأسود الذي يتركه عشيقها المخفي على بابها وهو خارج… أره علامة كل يوم…
  [ يظهر الرجل المتشح بالسواد في أعلى سور القصر].
بهلوان          : مولاتي… هاهو…
عطف القلوب   : أرأيت؟
حكمة الزمان    : رباه!
  [ يختفي المتشح بالسواد].
بهلوان          : يا حرس… [ يركض خارجاً] يا حرس…
  [حكمة الزمان يجرجر نفسه بصعوبة  ويخرج فيما تنشج عطف القلوب  بكاءً مراً].
  [يستمر غناء فرط الرمان].
  [يعود بهلوان حاملاً منديلاً حريرياً أسود اللون].
  [يناوله لعطف القلوب].
بهلوان          : لا أثر لـه.. اختفى… الحراس انتشروا في المناطق المجاورة
عطف القلوب   : وترك منديلاً أسود… راية حزن يغرزها في قلبي…
  [ما زال صوت غناء فرط الرمان يصل بين تارة وأخرى].
عطف القلوب   : أسكت هذه البومة… أسكت نعيبها…[بعصبية بكائية].
  [يدخل ضياء الروح]، [يبدو منهكاً وقد تلطخ بالطين].
ضياء الروح     : أماه! أي خطب جلل… هز جلالة هيبتكِ..
عطف القلوب   : ولدي [تندفع نحوه، تتردد حين تقترب].

من أين ألقاها يارب؟ ولدي هل ينقصنا تلطيخ…

ضياء الروح     : إنها.. إنها الغابةُ يا أُماه… تسرقني فأعابث فيها… روحها… وأسماك الغدران… فأتطين…
عطف القلوب   : هل تسمع؟
ضياء الروح     : صوت فرط الرمان… جميل أليس كذلك؟
عطف القلوب   : خذ هذا المنديل…
ضياء الروح     : لماذا؟
عطف القلوب   : علقه على حافة سريرك… فلن يكون لكَ بعد امرأة فيه…
ضياء الروح     : وفرط الرمان؟!
عطف القلوب   : اطردها من حماك… واقبض على عشيقها..
ضياء الروح     : ماذا تقولين؟
عطف القلوب   : قبل قليل فر من هُنا… تعرف موعد عودتك…
ضياء الروح     : من وماذا وكيف ؟؟؟؟
عطف القلوب   : قل له يا بهلوان..
  [بهلوان يتجه إلى ضياء الروح يحادثه همساً].
عطف القلوب   : سأمضي إلى جناحي… أصلي لله طلباً لرحمته… فلقد أتعبني أمرك يا بني… كنت صغيراً ولم تعتلِ العرش.. فكانت إدارة الدولة أهون علي… لكنها صارت أثقل من الجبال على ظهري بعد أن اعتليت عرشك… وخانك بيتك.. صددت سؤال الناس عنك… وما تركت فراغاً في شؤون يومك… أما الآن… فإني تعبت… أسكتوا تلك الخائنة التي لا زالت تصدح بشفرات الغناء..

يا ضياء الروح… لا ترني وجهك إلا إذا طهرت ثوبكَ… وعتبة بيتك…

  [تمضي للداخل]
  [ضياء الروح وقد عرف الحكاية من بهلوان، يصاب بنوبة من العصبية].
ضياء الروح     : … اتركني وحدي… لا يدخلن أحد مكاني…
بهلوان          : أمر مولاي [ يخرج].
 

التجلي العاشر

( وحــدة الــروح )

 

 

[ضياء الروح على حافة البركة].

 

 

ضياء الروح     : وهمٌ أنت تنعكس على صفحة الماء، وهمٌ أنا إذن، حقيقة أنتَ لأنني حقيقة… مادمت حقيقة فلنتكلم.. رجلاً لرجل… قل لي… وأنت ظلي تتبعني أنى ذهبت.. حتى في الليل… حيث تختفي الظلال ولا تكون مختفية فعلاً… تظهر حين يلتمع بصيص نور بسيط، لو أشعلت عود ثقاب… قل لي… ما الخيانة؟ وماذا أفعل بفرط الرمان؟
  [يخرج إليه من البركة ذلك المتشح بالسواد حاملاً سيفين متحدياً].
ضياء الروح     : لِمَ؟ كيف؟هُنا؟! وفي عقر مكاني؟!
  [الأسود يلقي له بسيف ويحتفظ بالآخر… ويستفزه بهجمة مباغتة].
ضياء الروح     : يالوقاحتك… وتطلبني للمبارزة في الزمن الذي تريد والمكان الذي تريد!!!
  [الأسود ينثر مناديل سوداء، وكلما نثر منديلاً قطعه ضياء الروح بسيفه، فيبدو وكأنه يحارب المناديل].
ضياء الروح     : مناديلك غربانك السوداء لن تلفع روحي… ولن أدعك أنت أيها الغادر تزهق روحي… بل سأدفنك أنت وخاطئتك في كومة مناديل عاركما…
  [يشتد القتال بينهما… يتقافزان في المكان… أصواتهما تشتد ويصرخان أثناء العراك… يهرع إلى الباحة بهلوان، ثم عطف القلوب].
عطف القلوب   : لا تدع أحداً يقترب من هُنا، أما الحرس فليستعدوا، ومُرْ أحداً أن يحضر حكمة الزمان وابنته…
  [ يمضي بهلوان بعد حركة طاعة لأمرها].
  [ المبارزة تأخذهما إلى  خارج الباحة…].
  [ يدخل بهلوان، وبعده حكمة الزمان].
  [ أصوات المبارزة تشتد أكثر… فيما تدخل الباحة فرط الزمان].
عطف القلوب   : … بركان الدم ينتظر الانفجار… وأنت السبب يا فرط الرمان…
فرط الرمان      : … كلاهما عزيز علي… كلاهما يحتل القلب والروح…
عطف القلوب   : … بهلوان فليبق الحرس بالقرب منهما… وخذ رامياً ماهراً يرمي الأسود إن أحس بتفوقه…
  [يخرج بهلوان].
حكمة الزمان    : يالطيف…
  [أصوات جماعية تعبر عن مجريات المبارزة، هذه الأصوات يصدرها الحرس الذين يراقبون الحدث عن كثب، صرخة تبدو كصرخة النهاية].
  [يدخل المكان… مترنحاً… ملطخاً بالدم … ضياء الروح].
  [يهبون لمقابلته… يرفض أن يستند إلا على سيفه].
ضياء الروح     : أستند إلى سيفي  فإن سقط من كفي سقطت.
فرط الرمان      : ضياء الروح… لا تسقط… أَمُتْ بعدكَ…
عطف القلوب   : الآن أيتها الخائنة؟
ضياء الروح     : أماه.. لا أحد منا يعرف الخائن… كلنا براء… وليس بيدنا…
عطف القلوب   : إنك تنزف بشدة…
ضياء الروح     : هُنا… يا حكمة الزمان غسلتني [مشيراً للبركة].

هُنا.. أغتسل من جديد…

  [يغرز سيفه في حافة البركة ثم يلقي بنفسه في البركة… فتندفع نار عظيمة منها.. مما يطلق صرخة من الجميع وينداحون من حول البركة].
عطف القلوب   : ولدي احترق يا حكمة الزمان…
حكمة الزمان    : لله ملك السموات والأرض…
عطف القلوب   : أي خطيئة هذه التي يعاقبني الله عليها حيةً… ولدي يا ضياء الروح…

[للبهلوان].

يا بهلوان، أيها الفرسان طاردوا الأسود المنحوس وهاتوه قتيلاً…

فرط الرمان      : [باكية] أماه يا عطف القلوب ترفقي… وتصبري…
بهلوان          : مولاتي لا أثر للأسود في أي مكان… طعنه مولاي طعنة نجلاء…  فاختفى هو وتدفق الدم من صدر مولاي..!
عطف القلوب   : لا تدعني هُنا يا ضياء الروح… خذني لنارك التي تنبعث من ماء روحك الملتهبةِ..
ص.ضياء الروح: فرط الرمان..
فرط الرمان      : فداك عمري يا زهرة الليل السوداء… يا سحر العطر وعطر العمر… لا تذهب بعيداً في احتراقك… وتعالَ تعالَ… وتجلَّ أكثر يا ضياء الروح.. إني معكَ…
عطف القلوب   : من لي..؟! من يرشدني؟! يا رب هون علي…
فرط الرمان      : تعال أيها المتجلي كل ليلة لوناً
  [فرط الرمان تتناول المناديل السوداء من أرض المكان… تلقيها واحداً واحداً في البركة فتبدأ نارها تخمد… الكل يجثو على ركبتيه رجاءً وتعباً، باستثناء فرط الرمان التي تتابع طقسها..].
فرط الرمان      : هذي يدي ممدودةٌ إليك فامنحني يدك.

هذه روحي تعانق الروح منك فامنحني يدك.

ذاك المعذب آن له أن يستريح.

راح ماكان من تشظي الروح.

تعال إليَّ لتستريح.

تجلَّ يا ضياء الروح.

  [شيئاً فشيئاً تظهر من البركة يد ملفعة بالسواد، تمسك بيد فرط الرمان، ثم تظهر يدٌ أخرى ملفعة بالأبيض… تمسك فرط الرمان الثانية التي تسحب اليدين فيظهر ضياء الروح وقد تلون وتلفع برداء نصفه أبيض ونصفه أسود.الكل تغمره الدهشة ويعتريه الذهول].
ضياء الروح     : أليست الليلة ليلة اكتمال البدر يا حبيبتي…
فرط الرمان      : وأنا أكثر البنات حظاً وأسعدهن يا مولاي..
الاثنان [ يغنيان]

أفق خفيف الظل هذا السحر..

نادى دع النوم وناجِ الوتر..

فما أطال النوم عمراً ولا قصر في الأعمار طول السهر.

  [تلتفت فرط الرمان.. ترى الكل شاخصاً إليهما].
فرط الرمان      : أسوده وأبيضه شِقاه.. ما تجلت به روحه وما يتجلى به الجسد، واحدٌ عشقني… والآخر عشق سِره… عاد … وتوحد بي…
ضياء الروح     : أنا من أهوى… ومن أهوى أنا… نحن روحان سكنّا بدناً..
بهلوان          : عم يتكلمان؟
حكمة الزمان    : عن التجلي والهوى
عطف القلوب   : أين الموسيقى
  [تظهر بشكل سريع ومباغت فرقة الموسيقى الشعبية من المكفوفين الثلاثة وتبدأ عزف ألحانها…

يخرج ضياء الروح وفرط الرمان ويتبعهم الجميع].

 

 

****

 

ستارة النهاية

 

مساحات