عن غرابة المسرح ونسيانه! بقلم عبد الناصر حنفي

عن غرابة المسرح ونسيانه! بقلم عبد الناصر حنفي

تأملات أولية حول أعمال إريكا فيشر

هذه المسودة هي جزء من مقال -قيد الاكتمال- يحاول التأمل في سياقات بعض أعمال المسرحية الألمانية إريكا فيشر (Erika Fischer-Lichte) حول موضوعة “الأداء” (performance) التي تشهد دراساتها حالة من النمو الانفجاري في العقود الأخيرة. وأن تكون الأفكار أو النتائج التي تعبرها هذه التأملات قابلة -أو غير قابلة- للتعميم على مجمل ما تقدمه السيدة فيشر؛ أو مجمل ما يطرحه مجال دراسات الأداء بكافة تنويعاته واختلافاته؛ فهذا أمر قليل الأهمية ولا يعنيني كثيرا في الوقت الحالي، فهذه محاكمة لم يطلبها أحد، وبالتالي فلا يمكن لأحد الادعاء بحسمها من عدمه، مثلما لا يمكن الالتفات بجدية إلى أمر كهذا في مواجهة هذا المجال شديد الانفتاح والتقلب حد الهوس، والذي تخترقه نشوة التباهي بقدرته الدائمة على توسيع حدوده على نحو يجعله أحيانا غير قادر على التواؤم نظريا مع ذاته ومع ظاهرة المسرح التي أحالها إلى أفق النسيان برغم أنها لا زالت القلب النابض الذي يمنح الحياة لهذا الخطاب، وسواء كان مقدرا لهذا الوضع أن يستمر لفترة أطول، أم أنه في سبيله نحو حالة أكثر توازنا؛ فربما ليس لدينا في مواجهة هذا الفضاء المضطرب خيار أفضل من إجباره على التموضع كمادة لتأمل تقوده الرغبة في التفكير في ظاهرة المسرح، بحيث يتم إعادته إلى تلك الظاهرة التي جعلته ممكنا في المقام الأول!

وينقسم هذا المقال إلى أربعة تأملات: أولها هو ما تحتويه هذه المسودة (والتي تأتي منقوصة من الفقرة الثانية: المسرح والأداء)، وثانيها يحلل العلاقات الجديدة بين النص والمسرح والأداء عبر تقاطعها مع مفهوم الطوطم والتابو، أما التأمل الثالث فيتناول فكرة “حلقة التغذية المرتدة” عند فيشر في علاقتها بما اسميه “أنتروبيا المسرح”، والتأمل الرابع يبدأ من رد الفعل المسرحي على ظهور الصور الفوتوغرافية ليصل إلى طرح مفهوم حالة “التباعد المسرحي” بوصفها أشبه بقانون يحكم علاقة المسرح بمادته “ما قبل المسرحية”.

التأمل الأول:

1- من ثقب العبارة:

كان “النفري” يقول “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”، ولكن ماذا إذا بدأنا أصلا من عبارة ضيقة للغاية؟ هل ستمكث الرؤية لصيقة بها وسجينة داخل مساحتها المحدودة والخانقة، أم أننا يمكن أن نصل إلى معكوس الحالة التي يصفها النفري حيث تضيق العبارة فتتسع الرؤية!

لنبدأ تأملاتنا إذا بالتوقف عند هذه العبارة: “دراسات المسرح والأداء هي مبحث يدرس الأداءات” (“Theatre and Performance Studies is a discipline that studies performances”).

إن هذه العبارة اللطيفة و”الضيقة” تأتي بمثابة استهلال للفقرة الختامية من كتاب فيشر: “مقدمة روتلدج لدراسات المسرح والأداء” بحيث ستبدو وكأنها نداء انتباه أخير يمهد للمانيفستو الذي يليها ليعدد الإنجازات البحثية لدراسات الأداء على نحو يراد له ألا ينسى أبدا؛ مما يجعلها تكتسب لنفسها وقع التمهيد للنغمة الختامية الحاسمة للحن شبه “فاجنري” انتشرت نغماته عبر الكتاب بأكمله في دوي صاخب وهادر ومليء بالتفاصيل والتوصيفات “الحسية” المكثفة حينا والعابرة من انطباع إلى آخر حينا؛ والممتزجة داخل بوتقة ما يقدم نفسه بوصفه ملاحظات امبيريقية ذات نبرة قد تبدو متحررة من أي تصميم مسبق؛ ولكنها في الوقت نفسه لا تكاد تنتظم إلا حول فكرة بعينها، وتلك النغمات المتتابعة غالبا ما كانت تجد لحظات ذروتها عند حزم من التعليقات والتعقيبات النظرية التي تحاول أن تؤكد على تجانسها الذاتي على نحو قد لا يفتقر إلى الحذق والرشاقة بحيث سيبدو الأمر وكأننا في رحاب حالة من الصرامة المنهجية المنضبطة التي يمكن قبولها أو رفضها من الخارج، ولكن من الصعب خدشها من داخلها!

ولكن ليس لمثل هذا السمت المتماسك الذي يحاول الكتاب أن يعكسه أن يثنينا عن مواجهة تلك العبارة -التي اخترناها لبداية تأملاتنا- ببعض الأسئلة التي قد تبدو أكثر أولية مما ينبغي، فما الذي يضير التأمل، أي تأمل؛ أن يستهل رحلته انطلاقا من استكشاف ما إذا كانت هناك توترات داخلية تنتهك مظهر ما يقدم نفسه بوصفه بسيطا ولا يسترعي الانتباه؛ حتى وإن تطلب الأمر المخاطرة بالانزلاق تجاه طرح الأسئلة الساذجة التي تتقصى ما هو بديهي. ومن هذا المنظور دعونا نتساءل: ما الذي تحاول هذه العبارة قوله؟ وكيف تقوله؟ وما الذي تحاول أن تؤكده أو تخفيه؟ وإلى أين يمكن أن تقودنا مساءلتها؟ وما الموقع الذي تختطه لنفسها داخل مسار وسياقات أعمال السيدة “فيشر”؟

تقدم العبارة نفسها بوصفها تنبني على صيغة تعريفية (كذا هو كذا، أو: “دراسات المسرح والأداء هي مبحث يدرس الأداءات” )، وهو ما يجعلها تنقسم تلقائيا إلى شقين يفرض أنهما متناظرين ومتكافئين، الأول هو ما يراد التعريف به، اي: “دراسات المسرح والأداء”، والثاني هو ما يحدده ويعرفه، اي: “مبحث يدرس الأداءات”، ولكن ما أن نصل إلى هذه الملاحظة البديهية حتى يلوح الأمر وكأن ثمة غرابة ما قد اجتاحت عبارتنا! لأنه إذا ما كانت لفظة الدراسات في الشق الأول يتم التعويض عنها في الشق الثاني بلفظة “مبحث” (discipline)، بينما لفظة الأداء تجد ما يوازنها بشكل أو بآخر في صيغة الجمع “الأداءات”، فإن هذا يتركنا أمام سؤال غريب بعض الشيء: أين ذهب المحتوى الذي تشير إليه لفظة المسرح، ولماذا تواجدت هذه اللفظة في الجزء الأول من العبارة ثم تم إسقاطها في جزئها الثاني، وهل مجرد “تكثير” لفظة الأداء وجمعها يعني أنها قد احتوت الظاهرة المسرحية على نحو لم تكن تستطيعه نفس اللفظة في حالتها المفردة؟ وهنا يتوجب علينا أن نتحرك بحذر بالغ، فالرد بالإيجاب على هذا السؤال يعني أن العبارة تفترض أن ثمة فرع علمي أو مبحث؛ أو حتى تعريف، لا ينطبق إلا على “تعين مفرد بذاته” للظاهرة التي يجعلها موضوعا له، وهو ما لا يتنافى مع الفكر السليم فقط بقدر ما يصطدم أيضا مع قواعد اللغة، أي لغة، فلفظة الأداء هنا اسم لجنس من الأفعال (بالمعنى الأرسطي!) وبالتالي فمن المحال افتراض أنها لا تشير إلا إلى فعل مفرد بعينه بحيث ينبغي أن نحولها إلى صيغة الجمع لندخلها في إطار البحث العلمي!

وهكذا سيبدو أن ما لاحظناه من غرابة العبارة سرعان ما ينقلب إلى ارتباك أكثر عمقا مما هو متوقع.

وما يزيد الأمر إثارة أن حذف لفظة المسرح من أجل استعادة التوازن بين شقي العبارة قد يجعلها تفقد غرابتها وارتباكها، ولكنها بالمقابل ستغرق في بلادة تنأى بنفسها عن أي معنى، بحيث تصبح أقرب إلى الصيغة التالية: “دراسات الأداء هي دراسة الأداءات”، وبالتالي نصبح أمام التفاف أو “تطوي” ذاتي لعبارة تغمغم بأصوات متماثلة ولكنها لا تقول شيئا.

وهكذا، فتحليل السطح التركيبي للعبارة يجعلنا نلمس بوضوح أن لفظة “المسرح” (وسأشدد على أننا نتعامل مع هذه اللفظة بغض النظر عن أي اختلاف حول معانيها أو تعريفاتها) قد أنقذت هذه العبارة من الانهيار على ذاتها، ومنحتها شيئا من المعنى المنتهك بالغرابة والارتباك، ولكن إذا ما ابتعدنا بعض الشيء عن هذا السطح تجاه مستوى أعمق قليلا فسيمكننا رصد أن لحظة استدعاء لفظة المسرح داخل العبارة هي نفسها لحظة نسيانها وإحالتها إلى غلاف صوتي فارغ بلا محتوى يخصه، وكأنها فاصل من الصمت المفاهيمي الذي يمنح تركيب العبارة مسافة داخلية بين مكوناته بحيث تحفظها من الالتفاف والتداعي حول نفسها. وهو ما يدعونا للتأمل ما إذا كان هذا الملمح مجرد عارض تافه أبرزته عبارة مرتبكة؛ أم أنه أحد تبديات ما أطلق عليه “ظاهرة نسيان المسرح”: أي أن يصبح المسرح ذاته ذو طابع شديد العرضية وغير ملتفت إلى ماهيته كظاهرة داخل فضاء حضور يفترض أنه يخصه؛ مثل فضاء هذه العبارة، أو هذا الكتاب.

وهو ما يضعنا أمام تساؤل آخر، فما الذي جلب تلك العبارة نحو هذه المساحة الأكثر عمقا والتي تجعلها منصة صالحة لإطلاق مثل هذا التأمل القلق حول الوضعية العامة للظاهرة المسرحية؟ وما هي الملابسات التي قادتها للظهور بالمقام الأول؟

ولمناقشة هذا السؤال ينبغي أن نتوقف أمام حدث فريد من نوعه، فعلى غلاف هذا الكتاب الذي جاءت تلك العبارة لتنهيه نجد أسماء اثنين من المحررين! وهو أمر أعتقد أنه غير مسبوق، خاصة ونحن أمام نص يفترض أنه يعود بأكمله إلى مؤلف فرد على قيد الحياة، بالإضافة إلى أن الكتاب سبق نشره بالألمانية في 2009، أي أننا أمام مصنف مكتمل وقائم بذاته، وما يزيد الأمر غرابة على نحو استثنائي أن المحررين كتبا مقدمة مستقلة يوضحا فيها ما قاما به من تعديلات وعمل تحريري جعلت الكتاب: “يعكس التغييرات الأكثر جوهرية المطلوبة لنقل العمل من الألمانية إلى السياق الأنجلو أمريكي” بما في ذلك ” التوسع بشكل كبير على الأصل عبر إضافة نماذج من المسرح والأداءات الأنجلو أمريكية وطرحها للحوار مع عمل الفنانين في ألمانيا والقارة الأوروبية”، ولكن بالرغم من هذا الحرص المحمود للغاية على تأسيس حوار بين “الغرب وبقيته”! the west and his rest)) فإن المحررين لا يذكران شيئا على الإطلاق عن حوارهما مع المؤلفة لإنجاز كل تلك التغييرات التي أحدثاها، وكأن الأمر بات يخصهما وحدهما! وكأن السيدة فيشر قد قامت بتسليم النسخة الألمانية المطبوعة ثم اختفت فجأة! تاركة لمحرريها إعادة تأليف ما يفترض أنه يخصها ويخص كتابها، وما يثير الدهشة هنا هو أن “المحررين” يتحدثان عن العملية التي أجرياها على الكتاب وكأنها استجابة لبداهة غير مطروحة للنقاش: فالقارئ “الأنجلو أمريكي” يجب أن يسمع صوتا يشبهه فإذا لم يكن الكتاب الأصلي كذلك فهذا يتطلب إجراء “تغييرات جوهرية”! ويستوي الأمر هنا ما إذا كانت هذه “البداهة” تنبع من أرضية تسويقية أو ثقافية.

إن العنوان الأصلي للكتاب بالألمانية كان يتحدث عن “علم المسرح” أو الدراسات المسرحية (Theaterwissenschaft) وليس دراسات المسرح والأداء (Theatre and Performance Studies) كما جاء في النص الإنجليزي، ويبدو أن تعديل العنوان على هذا النحو قد جاء في سياق ما قام به المحرران لتقريب الكتاب من السياقات “الأنجلو أمريكية”!

وبالعودة إلى عبارتنا، فلو أننا وضعنا “علم المسرح” (Theaterwissenschaft) محل “دراسات المسرح والأداء” (Theatre and Performance Studies) لاستقامت العبارة بعض الشيء، وتبخر أغلب ما كانت تنوء به من غرابة وارتباك، بحيث تصبح صياغتها كالتالي: “علم المسرح هو مبحث يدرس الأداءات”، وبالتالي تسترد العبارة صيغتها التعريفية وتماسكها الداخلي والتركيبي، وتصبح بمثابة بوابة مستقرة يفضي عبورها إلى الولوج نحو حقل بعينه من المباحث والمقاربات العلمية التي يمكن الاتفاق أو الاختلاف معها أو حولها.

أما ما رصدناه من تهتك العبارة واضطرابها في النص الإنجليزي فهو أمر يمكن العودة به إلى تداخل عمل المحررين مع المؤلفة، بحيث أنه أيا كان المسئول منهم عن ظهور العبارة بهذا الشكل القلق في الكتاب؛ فإننا لا نستطع تجاهل أن التأمل فيها قد قادنا إلى اكتشاف أننا أمام نص منقسم على ذاته، نص يقول شيئا (دراسات المسرح والأداء) بينما لا يستطيع التوقف عن التفكير في شيء آخر (علم المسرح)، وهو في نفس الوقت لا يستطيع الإفصاح عما يفكر فيه مثلما لا يكاد يستطيع مراجعة ما يقوله، وذلك بالرغم من أن الكتاب نفسه لا يكف أبدا في كل فصل من فصوله عن الإحالة إلى ذاته، سواء للإشارة إلى الموضوعات التي سبقت معالجتها أو تلك التي سيتم التعرض لها لاحقا، مما قد يعني أننا أمام تعارض بين كتاب يلتفت إلى ذاته باستمرار ونص لا يكاد يستطيع التأمل في نفسه! وإذا ما استرسلنا في ارتقاء هذا المسار المجازي يمكننا القول إننا إزاء نص يفكر بالألمانية، ولكنه أجبر على التحدث في الكتاب بالإنجليزية!

2- المسرح والأداء:

3- الغرب وبقيته: (the west and his rest)

والأن هل يمكن أن تمثل هذه الملاحظات متكأ مناسب لتناول مبحث “تناسج ثقافات الأداء” (Interweaving Performance Cultures)؟ والذي يشكل موضوع الفصل السابع من الكتاب، مثلما أصبح يمثل المنطلق الرئيسي والشغل الشاغل تقريبا لأعمال السيدة فيشر.

لقد كانت أحد محطات ظهور مبحث “التناسج” هو النقد الذي تم توجيهه لبيتر بروك وغيره حول التعاطي مع ثقافة الآخر، وخاصة ما كتبه رستم بهاروتشا (Rustom Bharucha) حول تعامله -الغربي أكثر مما ينبغي- مع ملحمة المهابهاراتا، والذي يمكننا ترجمته بأنه اعتراض هندي على محاولة تقريب الملحمة من السياقات الغربية أو “الأنجلو أمريكية” بصورة غير معلنة خلافا لما حدث مع كتاب فيشر الذي نتناوله هنا، والذي تم بشكل منهجي يعلن عن نفسه في مقدمة المحررين!

وبرغم أن اختيار محرري هذا الكتاب سيبدو وكأنه قد تم في إطار يهدف إلى فتح ساحة من التفاوض الثقافي، فأحدهما أمريكي (قام بالترجمة من الألمانية أيضا) والآخر ألماني وعضو سابق في مؤسسة “تناسج ثقافات الأداء” التي أسستها فيشر، إلا أن المقدمة المشتركة التي كتباها تشي بوضوح عن السياسة التحريرية التي اتبعاها في التعاطي مع بعض الاختلافات المنهجية في مقاربات ظاهرة الأداء بين المدرسة الأمريكية، والمدرسة الألمانية، وسواء نبعت هذه الاختلافات من تباينات في جهود الباحثين واهتماماتهم، أو جاءت كرد فعل على تباينات ثقافية أكثر عمقا؛ فمن الواضح أن عمل المحررين هيمن عليه الصوت “الأنجلو أمريكي” في النهاية، وأن السياق الذي حاولا بناءه في هذا الإطار تعرض لاهتراءات في بعض المواضع، ومنها تلك العبارة التي توقفنا عندها منذ بداية هذا التأمل، والتي يمكن اتخاذها نموذج لتتبع لحظات التوتر المماثلة في الكتاب، وهذا التحليل إن اكتمل؛ يمكن له أن يضع مشروع التناسج الثقافي بين أقواس قاسية للغاية بوصفه سعي “منهجي” لتجاوز إشكاليات التثاقف أو”المثاقفة” أو عمليات التداخل الثقافي وما يتعلق بها من صراعات وأوضاع تفتقر للتوازن واللباقة والتسامح العادل، ليس فقط بين الشرق والغرب، ولكن أيضا بين الغرب و”بقيته”! بحيث يمكن النظر إلى دعوى “التناسج” باعتبارها مجرد محاولة حسنة النية تزعم القدرة على تجاوز تباينات ثقافية ذات طابع سلطوي لا يمكن تجاهله أو إغفال حضوره المهيمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *