كتابة الجسد وتفعيله ومسرحته في موروثنا العربي .. بقلم : يوسف الحمدان

كتابة الجسد وتفعيله ومسرحته في موروثنا العربي .. بقلم : يوسف الحمدان

في البدء تجسد الجسد ..

الإرث الأول والحقيقي للطبيعة وقوام وجود الإنسان المادي ، منه تشكلت الحياة بدءا بمحاولاته البدائية العفوية العابثة الساذجة الفوضوية لاكتشاف عناصر ومفردات الكون وحيثيات التفاعل معها ، وانتهاء بسيطرته المطلقة عليها وانبثاثه فيها .

عموما .. أنا لست بصدد البحث التنظيري الخالص في الجسد بمطلقيته ، ولكني إزاء دراسة محددة تنسل من هذا التنظير العام للجسد لتتمحور في بؤرة تُعد من أهم بؤر تجليات الجسد ، وأعني بذلك كتابة الجسد وتفعيله في مسرح التراث العربي ، محاولا بسبب اجتهاد ذاتي شبه محض إيضاح الغرض من هذه الدراسة ” تجديد الموروث ودراسته معمليا في المسرح ” ، وعزائي في هذا الاجتهاد ندرة المراجع والمصادر التوثيقية والتحليلية والتفكيكية والسيميائية ، تلك التي تناولت أو طرقت أبواب الجسد في المسرح العربي بمكتباتنا العربية .

إن هذه المراجع والمصادر تدعوك للاختلاف معها أو للتساؤل حول ما ورد فيها ، أو الاستفادة منها كزاد نظري تنظيري في التراث العربي .

لنتساءل ..

هل تجسد هذا الجسد في مسرح ( التراث العربي ) ؟

أجدني متجاوزا السؤال الأول ، لسبب أن الإجابة عليه ستقتصر على تجارب محدودة جدا في مسرحنا العربي ، بالرغم من أهميتها البالغة والجديرة ببحث مستفيض ، لذا سأتوقف عند الإشكاليات ، ذلك أن عطل الجسد وخمود جذوته يشكلان الظاهرة في مسرحنا العربي بدءا من القباني والولع بمسرحة الحكايات الشعبية المستقاة من ألف ليلة وليلة ، والإرهاصات الأولى في المسرح العربي لاستنطاق الجسد عبر الموسيقى والغناء ، وتواري الجسد خلف أشكال شعبية ما قبل مسرحية متداخلة المصادر والهوية ، كصندوق الدنيا وخيال الظل والكراكوز ، بجانب الترجمة الحرفية الآلية لأشكال التراث في المسرح واللجوء إليه من باب استلهام العبر والمواعظ وشحذ الهمم عبر استضافة القصص الديني والسير الشعبية والوقائع التاريخية ، واللجوء إليه أحيانا كتعبير عن اليأس من اللحاق بالأمم المتقدمة .

وبعد هذا الإيجاز التاريخي للجسد المعطل نتوقف عند أهم إشكالياته في تجاربنا المسرحية الحديثة ، ألا وهي غياب الاشتغال المخبري على الجسد في مسرح ( التراث العربي ) ، فمن خلال اطلاعي على نصوص مسرحية عربية استلهمت التراث ، ومشاهداتي لعروض مسرحية انطلقت منه أو استضافته ، لاحظت الآتي :

ـ الحضور الطاغي للحكواتي أو الراوي أو القوال أو المداح أو المشخصاتي في العرض المسرحي ، حيث ظل الصوت بامتداداته القديمة المتوارثة ، وظلالاته الحديثة ، هو المهيمن على أداء المؤدي بمعطياته وانحداراته التقليدية ، وإذا كانت هناك عناية ما بأداء الممثل الصوتي ، فهي نادرة ، بل شحيحة جدا ، ولعلني لاحظت هذه العناية في بعض ما أذكر من العروض لدى بعض المخرجين الذين اشتبكوا مع الموروث صوتا وطقسا ، ومن بينهم المخرج الراحل عوني كرومي وخاصة في مسرحيته الثمانينية ( ترنيمة الكرسي الهزاز ) ، حيث يخلق هذا الصوت بمعطياته التجريبية الباحثة فضاءه البصري والجسدي ، بجانب الاشتغال المغاير للمخرج جواد الأسدي على اختبار الصوت وانبثاثه في أغلب مسرحياته بوصفه جسدا حيا تتشكل من خلاله خلايا الفعل والحدث والمتخيل ، وكذا الحال وإلى حد بعيد مسرحية ( الطوق والأسورة ) للمخرج ناصر عبدالمنعم وذلك في تعددية الأصوات بأشكالها الإرثية والتجريبية الأمر الذي يضعنا أمام اختبار مغاير للخامة الصوتية التقليدية التي عهدنا عليها في مسرحيات تقليدية كثيرة ، ونلحظ ذلك أيضا في مسرحية اسكوريال أو أجراس للمخرج عبدالله السعداوي الذي تداخلت في عرضه أصوات تجريدية دالة تبتعد كثيرا عن المفهوم اللفظي للصوت المعهود وتقترب كثيرا من لغة دالة هي من إنتاج الإخراج اللحظي للمؤدي ، وتتجلى مثل هذه الاجتهادات في اغلب تجارب المخرج انتصار عبدالفتاح وخاصة ( مخدة الكحل ) التي يذوب فيها الصوت في الأداء الجسدي ويصبح للفضاء فسحا دلاليا جدير بالدراسة المختبرية المعمقة ، بينما يغيب هذا الفضاء بتعدديته الدلالية عن أداء كثير من مؤدينا في مسرحنا العربي ويظل لائذا مستعينا بثرثرة يدوية اعتيادية يومية مبالغ فيها في أحيان كثيرة .

وإذا كان هناك ثمة اهتمام لا بأس به في الأداء الصوتي ، فهو من قبيل اجتذاب الأذن للإستماع ، وكما أعتقد أن مهمة الصوت في المسرح تتجاوز هذا الاهتمام المحدود في الأداء ، ولنا أسوة في ( مجنون ) المخرج توفيق الجبالي الذي يخلق كونا غير عاديا من خلال الصوت والجسد والفضاء المتخيل .

ولعل هذا الصوت يصبح لغة تتجاوز اللغة المنطوقة المفهومة ، نتبينه في مسرحية ( جي بي إس ) للمخرج محمد شرشال ، حيث يكون الفسح للفعل فيها أكثر من المنطوق الدال على انتمائه لهذه اللغة ، ولتصبح الإشارة الصوتية هي محور الفعل في التجربة .

وتتكثف هذه الثورة الصوتية في صمت الشرائط وبلاغتها الجامحة في مسرحية ( الحلم الضوئي ) للمخرج صلاح القصب الذي جعل من هذه الشرائط كونا مشوشا متداخل الأصوات واللغات والأفعال .

إن الصوت في المسرح يفترض أن يختزل ـ إذا كان التركيز الإخراجي منصبا عليه ـ كل ممكنات الطاقة في الجسد ، فيصبح والحال هذه ، الصوت ” الجسد ” بؤرة الاهتمام في الأداء المسرحي ، وإذا ذهبنا بعيد ، فكم نحن بحاجة إلى الوقوف عند ( مهاباهارتا ) المفكر بيتر بروك وكيف تعامل مع الفضاء الطقسي بقراءته الأنثربولوجية والتقنية للصوت والجسد ، أو الوقوف عند الاشتغال المخبري للصوت لدى غروتوفسكي في ( الأمير الجلد ) .

ـ إن الاتكاء على اعتيادية وتقليدية الأداء الصوتي رجحت في مسرحنا الطفح الموضوعي على الذاتي ، وأعني به الذاتي المحفز لقراءة العرض بدلالات فنية مغايرة غير مألوفة متكررة ، ونتيجة لهذا البروز الطفحي للموضوع في الأداء الصوتي ، نلحظ أن المهمة الأساسية الملقاة على عاتق المؤدي هي التوصيل التفريغي المباشر ، بمعنى أنه ليست هناك دهاليز ومنعطفات غامضة مجهولة هلامية في أدائه تستدعي غنى الدلالة غير الظاهرة المألوفة في الصوت .

ـ وهناك إشكالية أخرى لاحقة ، وهو إن حدث وحاول المخرج أن يراوغ هذا الكشف المباشر أو المتواري في الأداء الصوتي ، فإنه يلجأ إلى زخرفة بيئة العرض المسرحي وبترف غير اعتيادي في الديكور والأزياء والاكسسوارات الثقيلة والمؤثرات الصوتية الطبيعية ، محاولا تجسيد البعد التراثي بدقة متناهية ، معطيا ـ بوعي أو دون وعي ـ أهمية جمالية استاتيكية لمحيط المؤدي أكثر من المؤدي نفسه ـ الجسد بهذه الترفية المتخمة ، فيعيق هذا المخرج طاقته الجسدية وتشظياتها الدلالية أثناء الأداء أو التعبير ، ويضفي إزاء هذه العناية الفائقة بمحيط المؤدي صورة جامدة فيها ملامح ” أبو زيد الهلالي ” ولكنها بلا جسد ، بلا حياة ، شاحبة كرؤية المخرج للعرض .

هنا يغيب الجسد ويتحجم دور الأداء الصوتي فيه ، ويبقى الصوت إرث المؤدي وإن تحجم .

وهنا تحضرني تجربة الفرقة الفليبينية ( باثالا ) وكيف تمكن المخرج من تفجير طاقة الصوت والجسد في أداء مؤديه دون أن يلجأ إلى هذه الترفيات والزخارف والديكور والأزياء وغيرها ، إذ كل ما اعتمد عليه وشغله في عرضه هو ( سلويت ) وبعض عصي شكلت بتضافرها مع الجسد لوحات تعبيرية متخلقة ، محاولا عبر هذا الاجتهاد في التعامل مع الموروث مزج تقاليد المسرح المتوارثة بالتقنية الحديثة ، أما نحن في أغلبنا وللأسف نجعل في أغلب عروضنا الجسد مضافا للمكملات وليس حاضرا وحاضرة فيه .

ـ هناك إشكالية أخرى ترجح دور الصوت في الجسد ، وهي أننا حتى في استضافة الطقوس والشعائر وأشكال الحفل ، والتي يزعم كثير من منظريها بأنها حالة فعل تحدث الآن وتدعونا للمشاركة أو كما يقولون أحيانا ” ذوبان مشترك بين العرض والمتلقي ” ، نلحظ ما إن تنتهي إليه مثل هذه الدعوة المشاركاتية حتى يتبروز من جديد دور الحكواتي ، الراوي ، الصوت في المسرح ويبدأ الجسد بكل ممكناته ومعطياته يتوارى خلف هذا الصوت ، أستثني بعض من تعامل مع هذا الشكل الطقوسي أو الاحتفالي المؤلف المخرج الراحل قاسم محمد ، كونه مخرجا كتب تجربته على جسد العرض وإن ظل الصوت حاضرا فيها بوضوح كتجربته ( كا يا ما كان ) و( بغداد الأزل بين الجد والهزل ) .

إن هذه الاستضافة التراثية إن لم تتفعل وتندغم في العرض المسرحي وتطرح مسوغاتها الرؤيوية والفنية ، تبقى في رأيي هي من قبيل الإقحام المجاني على العرض المسرحي ، وغالبا تستضاف إما بقصد إثبات هوية قومية عربية أو بقصد إحياء ماض يجب ألا يموت ويندثر وغير ذلك من الاعتقادات .

ولو حاولنا أن ننعم النظر أكثر في الغرض من استضافة هذه الطقوس والشعائر ، للاحظنا بأنها تهدف إلى التفاعل مع المتفرج ومشاركته في الحدث ، وغالبا ما يكون هذا التعاطي المباشر بين المؤدي والمتفرج على حساب لغة الجسد في العرض وتجلياتها الدلالية ، إذ ينصرف الممثل بمحرضاته وخطاباته إلى المتفرج وتتحول العملية هذه إلى حالة أشبه بحالة استجداء منها إلى حالة تخاصب فني بين المؤدي والمتفرج ، وغالبا ما تتصل هذه العروض وتنلغم بمحمولات أيديولوجية إسقاطية تسرق من المؤدي وهج تفعيل الجسد ، وتمنحه مفاهيم نظرية غالبا ما تكون مجردة أو فوق ما يحتمله هذا الموروث من تنظيرات ومقولات ، كما أن بعض هذه العروض توصفت بأسماء تراثية ، كفرق من مثل الحلقة ، الفرجة ، المقهى ، ولا أعرف إلى أي حد ممكن لهذا التوصيف أن يتجاوز ملاذه التراثي الشعبي ، بمعنى إلى أي حد يمكنه أن يتجاوز مادته الاستهلاكية ويتفعل بجدته ورؤاه في عصره ؟ .

يشفع في رأيي لهذه العروض الموصفة أو المشابهة لنهجها ، الضبط الإيقاعي الحر المقبول لدى المتفرجين ، وبعض مساحات الارتجال الصوتي في العرض ، أما على مستوى دربة عضلة خيال المؤدي ، كما أطلقت عليها المخرجة آريان نوشكين ، وهي إطلاقة ذات اتصال مباشر بطاقة الجسد ، نتساءل كيف خلق المخرج هاتين المساحتين على مستوى استقصاءات الجسد وتفعيله وإعطائه فرصة التجلي والتشكل ؟ .

وأتمنى ألا أكون منحازا لعرض ( اسكوريال ) الذي أخرجه الفنان عبدالله السعداوي لمسرح الصواري البحريني إذا رأيت فيه مثالا للتفاعل الدلالي المتنامي في استضافته للطقوس والشعائر واستقصاء الجسد عبرها .

إن استقصائنا للجسد باعتباره إرثا متطورا وإخضاعه لدراسة معملية متواصلة ، يتيح لنا إمكانية تجاوز الفهم المتحفي للتراث ويؤّمن لنا إمكانية قراءة حاضرة عبر شحذ أقصى طاقاته الإبداعية .

إن غياب الوعي الاختراقي لدى بعض مخرجينا المسرحيين لتجاوز السياق الواقعي والتاريخي ، ساعد في رأيي في تحجيم دور الجسد واغترابه عن بيئتنا المسرحية .

إن تحرير الجسد هو تحرير الحقيقة وهو فضاء التماس والمواجهة الأولى ، لذا أجد ضرورة لتحقيق ذلك في أن :

ـ تعيد أكاديميات ومعاهد الفون المسرحية النظر في مناهج ونظريات التمثيل والإخراج ، وتعطي قدر الإمكان أهمية أساسية للجسد وفضائه التعبيري في مناهجها ونظرياتها ، وليس كافيا أن تقتصر دروسنا المسرحية التطبيقية على التعبير الحركي دون أن نؤسس له .

ـ إن غياب المختبرات عن كثير من بلداننا العربية ـ وبالذات منطقة الخليج باستثناء الجهود التي تضطلع بها الهيئة العربية للمسرح في هذا الصدد ـ سيسهم بلا شك في تعزيز إشكالية الجسد ، وللأسف وإن حدث وبزغت فرق مسرحية ـ تحت مسمى مختبري ـ سرعان ما تأفل ، إما لضعف بنيتها الأساسية أو لظروف خارجة عن الإرادة ، أو لتوصيف شكل العرض المسرحي المقترح تبنيه وغير ذلك من الأسباب ، لذا أرى أنه من الضرورة إنعاش المختبرات المسرحية في بلداننا العربية وإخضاع هذا الموروث لدراسة بحثية معملية كي نطور من معطياته ، ولا نكتفي فقط بالعروض المسرحية التي في أغلبها لا تخضع لمعمل المختبر كما يحدث لدى ندرة من المخرجين العرب .

ـ إن غياب المحاورة النقدية الفاعلة لبعض التنظيرات المسرحية التي ارتآها بعض المفكرين المسرحيين العرب وانطلقت من شكل تراثي ما لتجسيد العرض المسرحي ، ساهم في تعزيز الإشكالية بين النظرية والتطبيق ، بين فعل الجسد المقترح في المسرح وبين فعله المتجسد ، بين غيابه في التنظير وحضوره في التجسيد ، بين استدعاءاته المتطورة للتراث نظريا وبين تعثره وتخبطه تجسيديا .

ـ إننا نفتقر للرصد العلاماتي أو السيميائي للجسد في موروثنا مقارنة بما مضى مع ما يحدث ، وفي ذلك الرصد بلا شك استفاقة جمالية تحرض وتحفز على اكتشاف جديد في بنية الجسد بالمسرح .

إن خضوع هذا الجسد لدراسة معملية سيقودنا إلى اكتشاف مناطق مجهولة فيه وعلينا أن نغزوها .

إننا نبحث دائما عن دينامية الجسد وتراثنا موصول به والمسرح فعل الجسد وتراثنا حي ما بقي الجسد ، فمتى نخرج على تلك التابوات الكهنوتية التي أسرت عقولنا وجمدت أجسادنا ووأدت أرواحنا وسلبتنا حق البحث والاكتشاف والإبداع في المسكوت عنه ؟ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *