“آي ميديا” مسرحية تعزف على التاريخ بالسكين والبرتقال الناقدة التونسية : سهام عقيل

“آي ميديا” مسرحية تعزف على التاريخ بالسكين والبرتقال الناقدة التونسية : سهام عقيل
صورة المقالة على صحيفة العرب. انقر الصورة لتقرأ المقالة في مصدرها االأصلي

“ميديا” المسرحية التراجيدية اليونانية التي كتبها يوربيديس تجسد حياة “ميديا” المرأة الساحرة التي تقع في حب “جاسون” وتتزوجه، لكنه سرعان ما يهجرها ليتزوج بأخرى، فتقوم بقتل زوجته الثانية وأولادها منه في نوبة غضب. ومن رحم هذه التراجيديا ينطلق المخرج الكويتي سليمان البسام في مسرحيته “آي ميديا” ليجسد واقع اليوم عبر تأويلات عديدة تلتحم خلالها العناصر البسيطة لخلق تراجيديا جديدة لبشر يعيشون الألم والتشتت والضياع في عالم معاصر لا يهدأ.

تقف ميديا أمامنا اليوم مسرحيا من خلال الأثر المسرحي البديع لصاحبه سليمان البسام، المخرج المسرحي الكويتي، فنستحضر معها وبها قرار السؤال الإغريقي الأول عن هزيمة الإنسان ضد توحشه الخام.

تخرج ميديا من عبقها المقدس ومن روائح الدم المتخثر الملقى على ناصية التاريخ الإسفلتية، لم تخرج طيفا بل حقيقة ملموسة يجسدها الممثل المسرحي القادم من اللحظة الإغريقية الأولى، ليهزم أثر الإنسان ضد أشجار البرتقال والموسيقى.

يستحضر البسام في أثره المسرحي “آي ميديا” شبح ميديا لنواجه معه جغرافيا الحدود وكذبة العصر الكبرى، أن العالم قرية صغيرة وخالية من الحواجز والفوارق والضغينة.

يؤكد جاك دريدا أنه قد أعدّ نفسه لكي يتكلم عن الأشباح طويلا و”عن الإرث، وعن الأجيال، أجيال الأشباح، أي عن بعض الآخرين الذين ليسوا حاضرين، وليسوا أحياء الآن، بالنسبة إلينا ولا فينا ولا خارجا عنا، فإني سأتكلم باسم العدالة، وسأتكلم عن العدل هنا حيث لا يزال غير موجود، غير موجود هنا، وهنا حيث لم يعد موجودا، ولنتفق على هنا حيث لم يعد حاضرا، وهنا حيث لن يكون أبدا”. تتبنى حالة استحضار دريدا لأطياف ماركس عن طريق الممكن الشكسبيري لتراجيديا هاملت حالة طوارئ قيمية بلغت وطأتها الإنسان الرأسمالي اليوم.

ومن الجلي أن عملية استحضار الشبح الإغريقي عند سليمان البسام، تندرج ضمن استحضار الطيف الماركسي للمدن المقفرة اليوم من جلالة التعقل البشري عند دريدا. فالتاريخ البشري لم يتجاوز بعد تنبئية اللحظة الإغريقية الميتافيزيقية كما لم يستطع القفز ولا تجاوز المادية التاريخية للماركسية. وبذلك تستحضر الإنسانية دعمها من اللحظتين قصد السحر والحلم مرورا بتفكيكهما من نهاية العصر.

يأتي سليمان البسام من تربة عربية تحمل عارها الخاص ومن تربة غربية تستثمر في العار خارج الحدود، ليسائل أهوال الحقيقة الغربية التي تسمى الحداثة، ينتقل بين هذه الأهوال بخفة ركحية تشبه حركة النحل وهو يمتص الرحيق حماية من نهاية الكون.

يقدم سليمان البسام نفسه منذ البداية كصاحب للأثر،  ليقرأ تعريف الشبح “ميديا” ثم يمرّ إلى ولادة الأثر،  بإعادة ولادة الجثة التي لم ينته منها بعد التاريخ المسرحي إلى يومه الآن وهنا. في تأكيد دريدا لهذه العملية يبين “إن الشبحية قد انتقلت بوصفها حركة لهذا التاريخ”، لتقاوم عزلة اللحظتين باستحضارهما في شكل فاوستي لأفول العصر بامتياز.

تقدم العملية الشبحية في مسرحية آي ميديا أسئلتها الخاصة أي كيف يمكن أن نكيف أنفسنا اليوم مع ديباجة الجغرافيا الحربية – الرأسمالية رغم تطور العقل العلمي في نسج المستقبل بميكانيزمات مضبوطة إلى التسليم بضرورات عدم مغادرتنا من سردية الهزيمة؟ لماذا لم يتمكن العلم من أنسنة نفسه داخل الفعل التاريخي ليوقف ضخ الدماء المجانية كل ثانية؟

يستحضر دريدا الشبحية التاريخية عن طريق هاملت الشكسبيري، ليوقظ الإنسانية المفكرة من سباتها الماركسي، ثم توقظنا اليوم مسرحية آي ميديا أيضا باستحضارها الوله الرومانسي للشخصية المسرحية، منذ بدايتها الأولى بالجريمة والصراع، ربما لأن الخطأ المبرمج في هوية الإنسان يرتكز على أبدية بالجريمة ليقدم جدليا بضرورة أنطولوجيا العقاب.

إن هذا التعرّف الإغريقي الذي تقدمه آي ميديا يمكن أن نعتبره انتصارا جماليا كما يعبر عنه ماركوز ليبرر أنه “الشكل الاستيطيقي الذي يستدعي الرعب، ويسمى باسمه، ويجعله شاهدا على نفسه مدينا لها. إنها لحظة انتصار فحسب، لحظة في تيار الوعي، غير أن الشكل أمسك بها ومنحها الديمومة”. فتجتمع كل آليات العرض الجمالية متضامنة مع دراماتروجيا لتنصهر “بالإيروس السياسي” الذي تقدمه المسرحية بغاية كشف هول البشاعة لقوى النسيان العالمية، والمسيطرة على الرصاص والقنابل قصد حماية الحدود للرجل الأبيض الذي لم يغادر “الأنا” المفكرة الديكارتية ليرى الآخر أمامه ويتقبل غربته وعزلته ويقرّ ببقية الألوان وأحقيتها في الغابات والبحار.

هذا العالم الذي يمثل ذرّة خضراء في هذا الكوسموس الشاسع والمهول.

تأتي ميديا بحركة تاريخية شبحية لتخبرنا بميديا اليوم فتنتهي ميديا الأمس، كجثة لم تمت بعد، فتستيقظ ميديا “الآخر” التي هي “النحن” جميعا أي من يرزح تحت وطأة الجدار الإسفلتي عن طريق الممثلة حلا عمران، المربكة لماضي الشخصية والمتفوقة بجسدها الهووي على جثة ميديا يويريبيدس أو ميديا التي نعرفها جميعا كما قدمها البسام في شخصية صاحب الأثر الجديد أول العرض.

لا تخلو مسرحية آي ميديا من شبح الموت الذي يصطاد الظالم والبريء، نصرة لمن سيقتلون تحت هامش كورنيثا، لينتموا إلى ميديا اللاجئة عبر التاريخ الذي لم يتحمل جوهر ميديا المتعالي، لتتحول ميديا إلى سكين يقطع أوصال البرتقال على موسيقى الحدّ المذبوح.

يرى هربرت ماركوز “أن عالم الفن يشوبه الموت، فإن الفن يستبعد إغراء إعطاء الموت معنى. فالموت في نظر الفن مجازفة دائمة، وشقاء، وتهديد دائم يضغط حتى على لحظات السعادة والظفر والتفتح ليبقى الموت حادثا عارضا، حادثا مزدوجا ناجما عن شراب المحبة والجرح وكل عذاب يصير مرضا، وهذا المرض يفضي إلى الموت، رغم أنه بالإمكان شفاء المرض نفسه”.

لنرى أن ميديا اليوم مستحضرة لتقدم نفسها مسرحيا، بسواد ثيابها وبصراخها وشهقاتها وحركتها الدائرية داخل الفضاء الدرامي، لتحيط الخرافة اليوم ومن جديد بمعنى آخر للموت كحالة إنسانية، فتجعل من الموت سردية مقاومة لعلّة الموت ذاته. تسلّم ميديا البسام نفسها إلى الموت بعد رحلة داخل الصورة الافتراضية التي تميز عصرنا لتحول سياق التكنولوجيا إلى مرمى الموت كفعل قادر على المقاومة لا يرتبط بالشهيد الجديد بل بالشبح – الشهيد منذ الهزيمة الإغريقية الأولى من خلال حروبها الدموية رغم تفوق العقل الفكري الإيتيقي والشعري لها. لترتبط الكتابة الشعرية المسرحية بصيرورة سيلان الدم الإنساني بصدفة العقل المحض.

لكن ماركوز النقدي يقر أنه “قد يكون موت الفقراء تحررا، فالفقر يمكن هكذا إلغاؤه. لكن الموت يبقى مع ذلك نفيا محايثا للمجتمع والتاريخ. إنه الذكرى الأخيرة لأشياء الماضي، الذكرى الأخيرة لكل الإمكانيات المهملة لكل ما يمكن أن يقال وما لم يقل، ولكل مبادرات الود التي لم يجرؤ المرء على الإفصاح بها. لكن الموت يذكر أيضا بالتسامح الكاذب، بالاستسلام التام إلى ضرورة الألم”.

تستسلم ميديا البسام إلى الموت كضرورة ميتافيزيقية، تستطيع تغيير وجهتها نحو الغرباء داخل التاريخ اليوم عن طريق الغضب الذي اعتمدته المسرحية في وجهة الممثل، لنرى الممثلين في المسرحية يشتغلون على حالة غضب مستقيمة تنسجم مع فصول السنة الغاضبة.

الغضب الذي تستجمعه كل من حلا عمران وسليمان البسام وأسامة الجامعي، يتصف بغضب البحار والرياح التي تنصهر مع صمت الطبيعة أمام قساوة القسوة على أشجار البرتقال أينما زرعت. فلا نرى في لعب الممثل هنا سوى خط مستقيم يكون كالدليل نحو ممثل يحمل هوية جمالية تقدس هيبة الموت كحدث يمكن أن ننسجم معه ونحايثه نحو الودّ المسرحي الركحي.

يؤكد ماركوز أن “الفن يشهد على ضرورة التحرر، لكنه يشهد أيضا على حدوده. فما وقع للتو تحقيقه لا يمكن عدم إنجازه، وما وقع لا يعود ممكنا تداركه، فالتاريخ خطيئة، لكن لا غفران لها”. هنا نرى في ميديا سليمان البسام التي تخيط قيمة التحرر اليوم نحو المهاجر واللاجئ وكل ما اقترفته اللغة السياسية اليوم من توصيف، يعتمد لامبالاة الإنسان على حدود كورنثيا الذي يحكمها السياسي المتحكم في المفاهيم الوظيفية لسمة اللاجئ والهارب من الحروب، نحو ممكن لا يوجد أمام عصر الإنسان المرقمن والمنظم برموز آلية ووثائق تسقط هيكله الإنساني، ليتحول الإنسان اليوم بين الحدود إلى ورقة تصنع منه هويته وحركته داخل العالم يسميها الحاكم “جواز السفر” لتعوض لونه وهويته وحضارته وتاريخه ونشأته داخل الكهوف الأولى.

تموت ميديا بعد قتل أبنائها انتقاما، ويتحول ذلك إلى مقاومة ضد سلطة المقاييس الجديدة، من المعلومة والسلاح والصورة والسرعة. ينهل الفعل الانتقامي لميديا من صراع بين أيروس وثاناتوس في مواجهتها للقتل ضد زوجها ليؤكد ماركوز في هذا التفاعل أنه “من الممكن وضع الطاقة التدميرية في خدمة الحياة بدرجة متزايدة باستمرار، كما أن إيروس نفسه يقع تحت تأثير التناهي والألم. وأبدية الفرح تتكون من خلال موت الأفراد. فهذه الأبدية تكون بالنسبة إليهم، مفهوما كليا مجردا. ومن المحتمل ألا تدوم الأبدية طويلا. فالعالم لم يخلق من أجل الكائن البشري، ولم يصبح أكثر إنسانية”.

السواد والموسيقى

في مواجهة ميديا بجايسون تعرف نفسها أنها “كورنثية وأفتخر” لتقر أن الآلة الافتراضية يمكن أن تعرفها لتصرخ أنها امرأة غير شرعية في كورنثيا.

في بقعة ضوء ركحية، تأتي لتحدثنا عن البيوت التي تقصف بالقنابل، لتصرح بالحقيقة أنها لا تملك هذه الأرض ولا تنتمي إليها في شك حول هويتها الجغرافية لتلجأ إلى هويتها الافتراضية ثم تغني بصوت مطلق في التاريخ “لماذا هجرتك؟”.

تغطي وجهها بالسواد لتبدأ الحرب الباردة بينها وبين جايزون حول النقاب، عندما يواجه الرحم الأسود أمام قانون كورنثيا. لتسائل ميديا الجديدة الحبلى على جثة ميديا الأخرى، لتجرح الموسيقى أثر المكان الذي يحدده الصراع الذكوري المتوهج داخل أسوار السلطة.

يتعامل البسام في تشكلات عرضه على آليات تكنولوجية جديدة صوتية، مع حضور عبق الموسيقى المقدس ليجتمع العرض على مسار التاريخ الموشح المسرحي بالطقسية ومسار الأثر المميز للمسرح ما بعد الحداثة، لتصبح مسرحية آي ميديا حالة جمالية تتجدد بين الجسد المسرحي الأول والجسد المسرحي الخارج من النظم التقليدية حول المرعب الجندري الذي يربط الشخصيات داخل قصة اللجوء بين السياسي والقيمي.

تحدد إكسسوارات العرض آي ميديا هوية القتل ومساره بين السكين الموسيقي والسكين الأداتي، لنرى انسجاما بين الموسيقى كحدث مسرحي يكتب دراماتورجيا خاصة به، صحبة أجساد الممثلين ليجعل البسام من الوضعية المسرحية لوحة مصورة وناطقة لضيق الجغرافيا والصراع.

“جايزون: العنف يميزنا

ميديا: بل ما يميزنا التنوع والانفتاح”

يقدم البسام لوحة اللعب والرقص بالسكين حول العنف التدميري والحب القسري المخبأ تحت وشاح الحكم السلطوي مع موسيقى تعزف محطات التاريخ المسموم لجدلية الإنسان أمام العنف المتفجر، والمصاحب لكل علاقة تتميز بالرغبة المتوحشة التي تجعل من ميديا قاتلة سياسية تميز عصرنا، فتتخذ من التفاوض حلقة تستغل فيها أفقها المسيطر افتراضيا، من متابعين للتحقق من أرقام المشاهدة والمتابعة سلاحا يجابه الرصاص وقرارات التهجير والاستيطان ومن يقبعون داخل المخيمات.

هذا السواد المسيطر بجدية على الفضاء الركحي ينبئ بأن الضوء الذي سيأتي سيخرج من العتمة ليعود إلى عتمة الخرافة من خلال التصور الدراماتورجي الذي ضبطه البسام لميديا العصر.

ميديا تعزف نصها مع الموسيقى لتخبرنا عن نفسها وعن ولديها وعن الرقابة والسلطة والهجمات الإرهابية وأعداد اللاجئين وعن العنف وعن التوحش لتتحمل طواعية قول الحقيقة مثلما هي نحو الملايين من المتابعين، وتخرق الوعد السياسي لكريون لتنتصر إلى اللاجئين وللموسيقى ثم تغني مثلما تغني الجدة لأحفادها أغنيات تنسيهم سقوط البيت بالقنابل.

يعزف سليمان البسام أثره المسرحي على جملة آلياته الركحية والسينوغرافية والدراماتورجية.

داخل الظلمة الركحية تغني حلا عمران ثم يأتي الصوت البحري المتوسطي أسامة الجامعي ليخبرنا بما يجب أن يحدث بالبراكين والزلازل والرياح المتفجرة والمدمرة والجوع بموسيقى تقيد الفضاء وتحميه من الانفجار أي انفجار الجثث اللاجئة على شواطئ البحار.

لا أحد سعيد في كورنثيا

ينفجر البرتقال على الركح، لترقص ميديا بصوتها وجسدها وصحاريها وأمنياتها المسمومة ودعوات الشر مثل الساحرات الشكسبيرية. تتغزل بالقتل كفعل باعث للوجود مرة أخرى، تنفعل الموسيقى مرة أخرى لتحمي الفضاء المسرحي من الانفجار والنار. يصنع البسام أثره الدرامي داخل المسرحية ركحيا وهي قدرة هائلة على النسيج بين مقومات الفعل المسرحي وبين العنف المميز للحدث.

يتمزق البرتقال وبه تنهي ميديا بشاعة تقطيع أوصال البحار بتقطيع أوصال ابنيها. يرتد السياسي ويصرخ الظالم عبر الموسيقى وداخل الموسيقى كجسد حي وحقيقي كحقيقة القتل والتعطش للدماء.

“أنا ميديا أسمي الأحياء المنقرضة

 وبأسمائها أعيد إحيائها من جديد”

تبدأ الأغنية من جديد من بيت لحم ومن منزل بسيط يمكن أن يكون لحن سعادة بسيطة وممكنة. تواجه ميديا موسيقيا لتحمي كل الأبرياء من الدم بثوب أبيض.

تقف ميديا في نهاية الأثر على وعد السعادة مثلما يشير ماركوز للفن “أن الفن يحافظ مع وعد السعادة على ذكرى الأهداف التي لم يتم إدراكها، يمكن له أن يشارك بوصفه ‘فكرة ناظمة‘ في النضال اليائس من أجل تغيير العالم. وضد تيمة القوى الإنتاجية، وضد استمرار استعباد الأفراد من قبل شروط السيطرة. يمثل الفن الهدف الأخير لكل الثورات: حرية الفرد وسعادته”.

تمكن سليمان البسام من خلق مسرح ناظم ومفكر في الأثر المسرحي كفعل مقاوم للكولونيالية الغربية التي تصف نفسها فوق الإنسانية الأخرى فينهل البسام من خرافاتها ونصوصها الكبرى ليضعها تواجه صيرورة هذا التاريخ الذي لا يزال يقبع تحت وطأة العنصرية الفكرية في جل مستوياتها. ما يجعل الأمل ممكنا في مسرح ينتمي إلينا وننتمي إليه لنسائله ويسائلنا، في الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان الأخير الذي تواطأ مع الشيطان بغاية بلوغ الحقيقة ليجد نفسه في الجحيم الفاوستي مرة أخرى.

استطاعت مسرحية آي ميديا بعث طريق جديد نحو إمكانيات جمالية تتفوق على مرارة هزائمنا المسرحية والأنطولوجية.

يقول كارل ماركس “إن صوفية عالم البضاعة وكل الغرابات والأشباح التي تضبب منتجات العمل في ظل سيادة الإنتاج البضعي، كل ذلك يزول في الحال ما إن تنتقل إلى أشكال أخرى للإنتاج”، ليقرّ دريدا على قول ماركس “إن قولا كهذا ليستدعي المستحيل لا لشيء إلا لأن الكتابة صنعت إنتاج الفكر وجعلته له ميسرا فلا صوفية عالم البضائع في الواقع قائمة عيانا، ولا الأشباح التي تضبب منتجات العمل ظاهرة ومرئية وإن الكتابة هي التي حيزت كل ذلك وقبضت عليه وجعلته مرئيا.. وهي لأنها كانت على ذلك قادرة، فقد استجرت ‘الشبح’ من غيبوبة العدم وجاءت بالطيف من وراء حجاب اللا رؤية إلى مساحة المشاهدة والحضور”.

هكذا هي الكتابة المسرحية النصية والمشهدية الناظمة للسؤال الفكري الحقيقي داخل جغرافيتنا الممزقة رغم أن “النحن” التي نمثلها لا تزال شبحا لكنه متحركا ويُنبئ بالنجاة.

اقرأ المقال في الأصل : صحفية العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *