من تجربة جواد الأسدي المسرحية بقلم جواد الحسب

من تجربة جواد الأسدي المسرحية بقلم  جواد الحسب

عم موقع الحوار المتمدن : الحوار المتمدن-العدد: 3202 – 2010 / 12 / 1 – 15:59

يكتب نصوصه ومن ثم يقوم بإخراجها، انه يمتلك خصائص متميزة جديدة يستمدها في كل مرة من خلال تجربته الواسعة والغنية في الوقت نفسه. تتلمذ على يد (ابراهيم جلال)، المجرب المسرحي الكبير. أصبح (الأسدي) ينظر إلى المسرح بوصفه الحياة التي يحياها، فصارت حياته حكراً على المسرح، بحث فيه واندفع من دون تراجع. قدم أعمالاً في سوريا وهي، (رأس المملوك جابر) و(العائلة توت)، وعمل طويلاً في تجربة المسرح الوطني الفلسطيني، حيث حاز جائزة الابداع الكبرى عن مسرحيته (خيوط من فضة) يمضي منعتقاً من أطر مدوناته إلى عوالم العرض الذي يهيمن فيها (الممثل) حيث يبني ويستمد أداء الشخصية من الداخل، من الروح، لايعتمد البهرجة في عروضه إنما يفضل المسرح المتقشف، ويعمل على تكوينات أسلوبية ترد إلى مناهج معرفية وهو العارف بتمام المعرفة إلى أين تقوده تجربته، ولو خاض في أكثر من مكان. لم يفصل تجربته في ( الخادمتان) عن تجربة المسرح اللبناني أو تراثهما، فهما يحرثان في أرض واحدة ومنهج واحد. يفضل (الأسدي) تواجده على الدوام فوق الخشبة يتقنع بحضور (الممثل)، صاحب التجربة العميقة، أعماله الأولى عبدت له الطريق نحو الأحتراف وهي (القاعدة والاستثناء) و(الحفارة) و(يرما). ينطلق من الشعر في رسم الصورة على الخشبة والحوار المونودرامي، ليصيغ خطابه البصري من خلال (الممثل) و(الضوء)، لأنه بذلك ينشد التقشف في مجمل عروضه المسرحية. ولا يبغي الاستعراضات الشعرية التي تتنمق الكلمات فيها دون الأفكار والمنغلق على المعاناة التي ليس لها نهاية. يقذف بشخوصه في أمكنة جحيمية ليس لها من خلاص أو يمنحها بصيص أمل، ومن خلال هذا يبوح بما تنبئه روحه عن الحرية والخلاص. فالخراب يحدث لامحالة في كل مكان ابتداء من الروح، وحتى جميع الأشياء الأخرى، التي تحيط بها. يعتمد في مجمل عروضه على الحوار الشعري، ويحصر الشخصية الدرامية بأزماتها منذ الوهلة الأولى، تاركاً إياها تغوص بقاع ٍ ليس له قرار، ومن ثم تبوح بمعاناتها من خلال جدل داخلي، وبحوار مونودرامي، ينطلق من ذات الشخصية بشكل سردي، منغلق على الارهاص الذاتي، لايمضي بالفعل نحو الآفاق، وإنما يرجع بالشخصيات إلى حيث الذاكرة، وما تعلق بها من ذكريات، تستحضرها الذات المجسدة لحظة انبثاق الفعل ورفع الستار. يشكل المكان عند (الأسدي) الأثر الكبير في كيان وفي صيرورة الفرد، فهو التشكل الأول والرحم الأول، أو النقش الأول وعلى هذا الأساس كانت (كربلاء) المدينة التي ولد فيها، حاضرة في أعماله، وهو كأي شاعر أو أي مسرحي، المدينة الأولى بمعنى من المعاني هي الكتابة الأولى هي الماء الأول أو هي النقطة الأولى. مؤكداً على “أن الايديولوجيات تسقط عند اللحظة الإبداعية للمبدع، حيث أن لحظة الإبداع هي اللحظة الحرة التي لا تنتمي إلى ايديولوجية محددة”( ).
وبالتالي فإن ذاكرة (الأسدي) الأولى كثيرة حاضرة معه بشكل عنيف، بكل عروضه المسرحية، بكل حاضر فيها. إنه قد تأثر بـ (غروتوفسكي) و(أنتونين آرتو)، وذلك باتجاه القسوة والعنف. إلا أنه استخلص من ذلك اتجاهه الخاص، في السنوات العشر الأخيرة مع انتمائه الحقيقي بالمرحلة التي عاش فيها، وانتمائه للحزب الشيوعي، حيث مازالت الشيوعية والماركسية عالقة فكره ولايستطيع الفكاك منها، فهو وإن يدعي أنه قد خرج من وعائها، لكنه في الحقيقة قد دخل الوعاء الأكبر والأوسع والأخطر الا وهو المسرح بهذه المرحلة من حياته الفنية حيث يدعي في أكثر من محفل بأن المسرح هو حزبه الذي انتمى إليه كلياً، وهو المنصة المطلقة جمالياً وروحياً وإنسانياً. لقد أدرك منذ الوهلة الأولى أن المسرح هو التنكر، ولكنه لا يعرف ماهو التنكر، حينما كان يعتقد أن التنكر يعني صبغ الوجوه بالألوان وأرتداء الملابس المزركشة واللماعة، ثم وضع العمامة على الرأس كي يبدو أن يكون ممثلاً أو متنكراً في الوقت نفسه. هكذا بكل سذاجة كان يعتقد ذلك. فالجيل الذي ينتمي إليه (الأسدي) هو جيل تفتحت رؤى فنانيه على الحرمان والطغيان والقسوة والحروب، لقد وجدوا أنفسهم فجأة في المنافي ومتاهات الهجرة، والاعتقالات، والفقدانات تتغذى على أديم شتاتها، وتوتر ذاكرتها وانكسار أحلامها وقمع مغامراتها. فحينما جاءت الحرب وغاثت في البلاد أدرك الناس جميعاً انهم قد دخلوا الجحيم لا محالة، بكل ما تعنيه هذه الكلمة. فبالرغم من أنه قد فارق العراق في حدود ربع قرن، إلا أنه قدم الكثير من الأعمال التي ترتبط بالواقع العراقي فجميع أعماله تتحدث عن العراق أن روحه الوثابة كانت تعيش الأحداث التي مرت به أول بأول، وبكل حيثياتها وتفاصيلها، ومن تاريخ حروبها وضحاياها، وحتى اللحظة الراهنة، فأين ما ذهب يفتح نافذته ليرى (بغداد) حاضرة معه، فأعماله تفوح منها رائحة (بغداد) وناسها، وشوارعها، وهمومها، فمن خلال أعماله: (المصطبة)، و(خيوط من فضة)، و( المجنزرة الأمريكية ماكبث) و(نساء في الحرب)، و(حمام بغدادي) و(سنوات مرت بدونك)، وغيرها من الأعمال التي تشكل من خلالها حجم الألم والجحيم العراقي. فـ (الأسدي) ميال للغامض والمستتر والمخبوء أكثر منه للمعلن، ليعطي للمتفرج المتأمل مكامن النص ويخرج به إلى الصورة (العرض). لأن الفن أرقى من السياسة في كل الأحيان. فالفنان الذي ينخرط في سلك الحزب، ويعمل في الفن، يعيش حالة ازدواجية، حيث تضعف من أدائه بشكل أو بآخر. فيقول عن تجربته مع الحزب الشيوعي: “لم يكن انتسابي للحزب الشيوعي انتساباً عضوياً، لم يكن الأنخراط بخلايا أبداً، إنما كان انتسابي وطنياً”( ). كانت النصوص المسرحية والروائية في مدة الخمسينات والستينات وحتى السبعينات تمتلك الطابع التحريضي للثورة، أي فيها طابع المقاومة والحس الإنساني والوطني، وكان هذا المناخ حقيقي، وبهذا المعنى كان الناس في ذلك الوقت يحيون حياتهم اليومية بهذا الإحساس، تلك المدة التي عاشها (الأسدي) في العراق. حيث يقول: “أتذكر لحد الآن مثلاً في ثورة 14 تموز أن الناس جميعهم قد خرجوا إلى الشارع في كربلاء يحملون صور عبد الكريم قاسم، تلك الصورة التي مازالت راسخة في وجدان كل عراقي. لأن شخصية عبد الكريم قاسم كانت من الشخصيات النقية والاستثنائية، لقد كان النموذج الحقيقي في ما يخص الرغبة لدفع العراقيين والعراق إلى منصة وطنية لتحقيق حلم حق التحرر الوطني في العموم”( ). حينما غادر (الأسدي) العراق لم يكن لهدف سياسي، وإنما للدراسة، وحينما أكمل دراسته للدكتوراه في (صوفيا) عام 1983، لم يعد للعراق ذلك أنه يعتقد أن لا مكان له حينما يريد أن يعمل في المسرح، لأن المسرح حسب تفسيره يحتاج منصة، يحتاج إلى حرية، يحتاج إلى أن يبوح الفرد بكل أشيائه المؤجلة المكبوتة، يحقق حلمه السياسي سؤاله السياسي، سؤاله المعرفي. لذا فهو يشعر بأنه لا يحقق كل هذا حينما يعود إلى (العراق)، فبقى في الخارج. لم يتلقى (الأسدي) أي تهديدات من السلطة آنذاك. لكن أعماله تحمل في طياتها الطابع السياسي. فـ (المتفرج) في مسرح (الأسدي) يطل على عالم مغرق بالإرهاص والمعاناة واستعادة الذكريات المؤلمة والحزينة، التي ما انفكت الشخصيات تتذكرها ولا تتخلص منها أبداً. احدى المهام التي شغلت (الأسدي) على الدوام في بداياته وعهده الأول بالمسرح هي في الأمكانية لتحويل عناصر الدراما الجنينية في عاشوراء إلى مسرح رصين ما دام أنه يمتلك جذوره عبر التاريخ، فأخذ يبحث وينقب بين الكتب التراثية الدينية من جهة، وبين تلك الكتب التي تسرد وتصور الحدث العاشورائي بدون مبالغات من جهة أخرى. لقد أراد من خلال ذلك أن يتصور إمكانية تحويل الحدث العاشورائي إلى فعل وذلك بخلق مساحة ديمقراطية تتسع للفعل التاريخي زمانياً ومكانياً. ففي اعتقاده أن على المخرج أن ينعتق من كل ماهو تقليدي أو من الكليشهات المكانية كمسرح العلبة مثلاً، ولابد أيضاً أن يمتلك الحق والقرار في اختيار المساحة التي تشكل ضرورة لعرضه المسرحي الجديد، ولابد من تحقيق ذلك إلى الحد الذي يجعل من خياره هذا يتناسب مع المفهوم الديمقراطي للاختيارات الكبرى على صعيد الموضوع وقيمة المادة التي تشكل مع الجمهور فاعلية أكيدة يطلقها المكان ويحققها الاخراج. إنه يتخذ من المقارنات بين المسرح في الغرب، والمسرح في العرب، حالة ضرورية في انتشال المسرح العربي من قوقعته والارتقاء به إلى مصاف المسارح في العالم. ثم يقارن بين (المخرج العربي) و(المخرج الغربي)، وقد نعت المخرج العربي بأنه يزاول وظيفة خدمات، على العكس من المخرج الغربي الذي تتوافر له كل الامكانيات ليحقق ما يحلم به حتى ولو كانت أحلامه فنتازيا فهي قابلة للتحقيق الفوري. على العكس من المخرج العربي الذي يفتقر إلى أبسط المستلزمات التقليدية والبديهية التي تتوفرلأبسط مخرج في العالم. ذلك أن المسرح في العالم يتقدم ويقدم للاخراج الحرية القصوى، سواء على صعيد التقدم التقني وتطور الصناعة المعمارية من أجهزة حديثة للصوت والضوء مروراً بورشات الملابس والنجارة وصولاً إلى الطاقات البشرية الاختصاصية. ولقد حضر (الأسدي) بروفات مسرحية لأكثر من مخرج عالمي أمثال،(بيتر بروك) في أفنيون ومعمله المسرحي ، ومن بعده (كانتور) في بولندا ومدرسة العرض الشكلاني النحتي الأخاذ، ومن ثم (لوبيموف) الروسي والتركيبة الجمالية الخلاقة، وأخيراً (فيليسيوف) البلغاري التقليدي والمجدد في الوقت نفسه. جميع هذه البروفات التي حضرها (الأسدي) تمحورت في موضوعين أساسيين، هما: أولاً – البناء السينوغرافي والتوصل للحلول المبتكرة عبر المكان. وثانياً – طبيعة العلاقة بين (الممثل) و(السينوغرافيا). (المخرج) الغربي كما يؤكده (الأسدي) بأنه حر في اختياره للمكان الذي يقدم عرضه عليه سواء كان كنيسة، شارع عام ، كراج سيارات ..الخ. وهو سيد العمل والآمر والناهي، لكن تختلف طبيعة تعامله مع (الممثل)، فـ (الممثل) الأوربي بحق هو المبتكر الأول للعرض المسرحي، ولا يعتمد على ما يقدمه (المخرج) من تعليمات حرفية بمعنى أن (الممثل) ليس تابعاً، ولا معرقلاً لخطة الاخراج. هكذا يريد (الأسدي) من (الممثل) أن يكون ومن المسرح بشكل عام أن يعتمد التطور والابتكار على المستويات كافة نصاً وعرضاً وإخراجاً وتمثيلاً. ولقد قدم (الأسدي) عروضاً مسرحية كثيرة نال عن بعضها جوائز متعددة، حيث حصل على جائزتين ذهبيتين في مهرجان قرطاج عن مسرحيته (العائلة توت)، والجائزة الكبرى عن (ثورة الزنج) وعرضت أعماله في أكثر من عاصمة عربية وأجنبية وهي :(يرما) و(رأس المملوك جابر) و(مس جوليا) و(الخادمتان) و(المصطبة) وأخيراً (المجنزرة الأمريكية ماكبث) التي عرضت في أسبانيا، ومن ثم في بغداد في مهرجان بغداد الثالث 1992وحضيت بالفوزبجائزة أفضل اخراج، وقد اتخذها الباحث عينة في فصل الإجراءات، ضمن عينات البحث. يمثل العرض عند (الأسدي) ساحة حفريات ذهنية خطيرة، بحث عن (لغة) ساخنة وملتهبة، الغوص في الأعماق الرحبة، ركوب الصعاب يتخذ من العرض غواية وسحر وأجواء ينبع منها الألم والاستفزازوالمتعة اللذيذة. يكتب (الأسدي) مدونته عرضاً مفتوح للاحتمالات والقراءات المتعددة والتفسيرات التي يضعها مع (الممثل). وفي الآونة الأخيرة راح (الأسدي) يمزج بين إيقاعين الأول، (تشيخوفي) والثاني، (شكسبيري)، أضاف إليهما القسوة، أو هي أضافت إليهما، لأن القسوة جاءت من الحياة من (العراق) ومن مدينة (كربلاء) حيث ولادة ونشأة (الأسدي) فيها. لقد عرف طبيعة عمله المسرحي، لاسيما أنه مر بعدة مراحل، إنه عندما يدخل البروفة ليس له قصد مسبق فيما يريد أن ينقله ما موجود عنده من أرث. فالبروفة تشكل عنده حالة من الغيبوبة والانغماس في تفاصيل لمشاهد يمارس النحت عليها كل يوم حتى تكتمل لتصبح عرضاً. إنه يريد أن يكون في البروفة أنقى ما يمكن من النقاء، حتى تخرج الأشياء بشكل طبيعي. فالإخراج منظومة بصرية حسية، وهو عملية جمالية معقدة، بمعنى مصادفة يتورط (المخرج) بالمسرح كقيمة أولى، أو كشكل أول لدخوله للخشبة، وفرق بين أن الخشبة تبدأ تصنع (المخرج)، وهناك من هو الذي يصنع الأشياء على الخشبة، بمعنى أن (المخرج) يتورط بمشكلة المسرح، وبحقيقة المسرح، والمسرح هو الورطة الكبيرة بالمعنى الجميل للكلمة، إنه عندما يسند دوراً معيناً للممثل يبدأ بنحت الشخصية داخل (الممثل)، وليس من خارجه، ويقيم شراكة عمل بينه وبين (الممثل) نحو إنتاج عرض يحقق الدهشة والمتعة في آن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *